هي اليوم على ميعاد، لذا فهي تبدو غير عابثة بما حولها.
وتنظر إلى غرفتها، فتشعر كأنها دخيلة عليها .. إذ ما عاد شيء في هذه الغرفة ملكها هي فلا السرير الذي احتوى جسدها مدة سنوات عديدة، ولا المقعد الذي طالما جلست عليه في مواجهة النافذة ترقب الطريق، ولا الخزانة التي لم يكن قفلها يلين أمام أحد سواها حتى مكتبتها الحبيبة لم تعد ترى فيها هذه النشوة القديمة، وهي لن تهم اليوم بترتيبها، إذ أنها لن تكون ملكها بعد اليوم، وغداً عندما تصبح ملكاً لسواها فماذا يهمها منها؟
غداً؟ .. أين ستكون في الغد يا ترى؟
هل صحيح ما يروونه عن الحياة الأبدية؟ هل حقيقة أن هناك جنة وناراً، وإن المعذبين في هذه الحياة الدنيا يعيشون بالآخرة في نعيم مقيم؟
لو كان هذا حقاً فما أسعدها، إذن ستكون غداً في النعيم.
إنها تتصور الغد وفي قلبها رعشة خوف مزوجة بالفرح، خوف من المجهول وفرح بالموعود.
ولو أن أمسها كان سعيداً لما بحثت عن سعادتها في المجهول، لكنه كان امساً حالكاً، وهي تكره أن تتصوره،
فإن ذكراه تفسد عليها حتى لذة التفكير بالغد.
غير أن فكرها يأبى مطاوعتها فيما تريد، فيعود بها إلى الأمس .. وتتتالى الأحداث أمام مخيلتها.
فتذكر ..
تذكر أول ما تذكر، فقدانها أمها وهي في الخامسة، ومع أنها في ذلك الحين لم تكن في سن تدرك فيه هول المصيبة، وتبكي فيه الفقيدة بحرقة وألم. إلا أنها شعرت آنذاك بفراغ في حياتها .. فراغ تركه قلب طالما ملأ بالحب وحدتها. وبعد موت والدتها مرت حياتها على وثيرة واحدة، تماماً كما كانت قبل وفاتها .. لا ينقصها إلا ابتسامة مشرقة كانت تنير سماء هذه الحياة.
ثم توالت الأيام .. وكانت الغصة الحقيقية التي آلمتها .. عندما نظرت لأول مرة، وبإدراك تام في مرآتها، ووعت
حقيقتها، فهالها ما بهذه الحقيقة من مرارة، ومن يومها ابتدأ صراعها مع الزمن.
ابتدأت ترى من خلال النظرات القاسية، ما يذكرها دائماً بجسدها العليل، ووجهها القبيح.
يا إله السماء! كم كانت تعاني من تلك النظرات في أول سني شبابها. لكنها مع مضي الوقت صارت تتجاهلها، وتحاول أن تنساها، بل أنها مع العادة لم تعد تؤلمها كثيراً كما كانت في بادئ الأمر، فقد استسلمت لنوع من اليأس كانت ترى فيه راحة لنفسها الحزينة. وعلقت على شفتيها شبه ابتسامة تخفي بها كآبة روحها، وتوهم من حولها بأنها سعيدة بحياتها - فإن كبرياءها ما كانت لتسمح لها بقبول الشفقة من أي إنسان - أي إنسان كان.
لكنها وإن استطاعت أن توهم الناس بسعادتها فهي لم تكن لتستطيع إيهام



