فتركت جوابها للزمن.
ولم يجاوبها الزمن بسرعة، بل اطال صمته، لكنه كان يلمح لها بالجواب. لقد تعددت لقاءاتها في بيت عمها، وصارت تتحدث معه بطلاقة اكثر من ذي قبل، وزال عنها كل تحفظ اشتهرت به في حديثها مع الشباب. فبعد ان كانت قبلاً لا تستطيع الخوض بأحاديث دقيقة كالحب والزواج وغيرها، صارت تطرقها معه بسهولة كغيرها من المواضيع.
وانها تذكر يوماً قال لها فيه، بمعرض حديث عن تأثير الجمال على الحب، قال وكأنه يتكلم مع نفسه، «اني لم اعد اؤمن تماماً بالجمال، واعني بهذا جمال الوجه والجسد، ان هذا الجمال لم يعد يجلب لي كما كان عندما كنت في السنوات الماضية في سن الثامنة عشرة والتاسعة عشرة. لقد صرت في السنتين الاخيرتين ابحث عن متعتي بالجمال، اما حبي الحقيقي فاني لن اهدره على تلك الاصنام الفارغة التي جربتها في صباي الباكر. اني اذا نشدت الحب الحقيقي فلن انشده الا في قلب بكر وروح مليئة بالحنان. خذي نفسك مثلاً اني ابغي في حبي فتاة مكتملة الشخصية ناضجة العواطف، ممتلئة بروح الحياة مثلك انت.»
وكانت في بادئ حديثه تنظر اليه بتلهف لترى ما نتيجة كلامه، فلما وصل الى آخر الحديث غضت بنظرها وكاد قلبها يقفز من بين ضلوعها.
لقد اجابها الزمن -: انه يحبها. وقد حزرت حقيقة عاطفتها نحوه، انها تحبه.
ومنذ ذلك اليوم ابتدأت تتحفظ في
الظهور معه كثيراً فقد كانت تخاف ان يلاحظ احد ذلك، لذا فقد صارت تقابله بالخفاء لأنها لم تكن تريد احداً ان يعلم بحبها. كانت تخاف هزء رفيقاتها. سيقولون عنه اعمى. طبعاً وهل يكون سوى اعمى، ذلك الشاب الوسيم الذي تتمنى عليه كل الفتيات، إذ احبها؟
انها تذكر الايام التي قضتها واياه والسعادة التي غمرتها وهي معه فترتعش من النشوة، وتتمنى لو ان هذه الايام طالت حتى كانت ترتوي منها.. آه يا ليتها طالت تلك الايام..
ومع ذلك فانها الان تشعر بسعادة فائقة من ذكراها، وليس في قلبها شيء من الحزن..
انها تشعر وكأنها تعيش تلك الايام ثانية.. وتذكر الان اجملها واحلاها.. تذكر الاسبوع الماضي عندما جاءها فرحاً، وقال لها «لي عندك كلمة». وعندها ابتدأت تشعر بخفقان شديد في
قلبها واضاءت عيناها بنور عجيب، ولما سألها ان كانت تسمح له بالكلام، اجابته بصوت مرتجف «تكلم» فقال «سامية، اني انوي طلب يدك من والدك، ولا اظنك تمانعين». وكاد قلبها يقفز من الفرح. واغرورقت عيناها بالدموع. انها ستصبح ملكه عاجلاً، انها ستقضي العمر معه دون تحفظ أو خجل، انها لن تأبه لصديقاتها، فلن يقلن عنها انها مخدوعة، كما قد كانوا يقولون لو علموا بحبها له، فهي ستستطيع ان تفهمهم انه لو لم يحبها لما تزوجها.
غداً عندما يطلب يدها من والدها ستقدر ان تفصح عن عاطفتها كما شاءت. لقد وعدها بانه سيكلم والدها غداً بهذا الشأن، ولن يرفض والدها طلبه، اذ انه غني وسيستلم عملاً في مكتب والده ساعة حصوله على شهادة الحقوق.
غداً سيسأل والدها، وغداً ستبيت
( البقية على الصفحة ٥٠ )

