من شهد المرأة امام الحلاق تعنو صاغرة لصنع يديه !
من شهد الجميلة والقبيحة والشابة والعجوز !
من رآها تجاه المتغطرس المتأفف من طول شعرها ان شاءته قصيراً ، والمستخف بتهدله ان ارادته معقوصاً ، والهازئ بذوائبها الفاحمة ان لمس منها ميلاً للخصلات الذهبية !
هنا لدى الحلاق ، تبرأ المرأة من سلطانها ، وتخلص من قهرها وغلبتها وتذعن راضية للأنامل الحاذقة التي تنتج في كل ساعة « بلقيساً » وتخرج بين اللحظة والاخرى مماثلة كليوباترة !
هذا الجبار الماشي بين النساء التسع ، يعبث برؤوسهن كما يشاء ماذا يجول برأسه عن الأدمغة امامه ؟ اتراه يعزو إليها قصراً في التفكير ، وعجزاً عن التفلت من حدودها ، ويترسم ذلك في الخصلات المتموجة على اكتافها ، والمسبلة برفق على جبهتها من هنا وهناك !
هذا الذي بيده مفتاح كهف الجمال ، المطبق شفتيه على اسرار الفتنة والجلال ، كيف يتمثل المرأة في ذهنه ؟ كيف يمكنه ان يصدق ان الخاضعة له ، سلطاناً فكرياً ، ومملكة روحية مستمدة من ذكاء قلبها !
هنا تذوب الفطرة ، وتنكمش عفوية الشكل وتحل البراعة المنمقة من خلال كل شعرة يتيه بها الرأس تيهاً !
هنا مرتع خصب للاحلام ، أي كهلة لم تسع إليه تلمم شيبها الموغل في مفرقها ، وتقنصر البياض المشير الى اندحار صباها ، ان يكف بنانه الاثيمة عن نفسها الغضة ، كيف ترضى المرأة ان تصبح كهلة ؟ !
هنا تتبلور عزيمة المغامرة !
فالشقراء تسعى لتحيل صفرة شعرها حلكة وسوادا ، وتقلب ذات الشعر الكستنائي لونه حمرة زاهية ، ويحدو الجميع امل التجربة المبدعة ، أتقنع المرأة برتابة المظهر امدا ؟ !
ماذا تقول ايها الحلاق ، عن ثبات المرأة وهي تجلس تحت « مجفف الشعر » ، تلك الآلة الرهيبة ، ساعات رتيبة !
ألا تعجب لصبرها واستكانتها ، وانت تنتقل في بطء بين هذا الرأس وذاك ! كيف لا تبارك انجذابها الممرض للجمال ، وهي تجلس محتقنة الوجه ، لاهثة الأنفاس محنية الرأس ساعات طويلة ! هو شيء واحد ، تطلبه المرأة منك كلما اتتك !
أن تمد لها اليد الماهرة ترمم أصالة الطبيعة ، وتشذب حدة اخطائها ، وتمحو بالتناسق ما تستطيع من تنافر وقبح !
فاطلب منها ايها الحلاق بديلاً ..
جمل لها وجهها وشعرها ويديها .. واسألها ان تصقل روحها وفكرها بالبساطة والمحبة والمعرفة ..
اسألها ايها المهيمن على شكلها ، لماذا - وهي مثال الصبر والأناة - لا تجيل طرفا في مخبر ، ولا يراود فكرها اختراع ، ولا تستكين بنبل لمشاق العلم والتجربة !
ولماذا لا يأنس رأسها للخيال الملم الكبير ، وهي تنظر باستمرار الى المرآة الصقيلة ، ترى فيها قسامة الجبهة ، وبداعة الشعر المنسدل فوقها !
وكيف لا تزهو ، وهي تمثل في خضوعها للتجمل ، قافلة النساء في تاريخ الارض ، أليست تشعر امامك بتقارب العصور فترى امامها ملكة سبأ ، وكاترين الثانية ، وفيكتوريا .. ام انها تذكر « سكينة بنت الحسين » تلك التي ابدعت الجمة طابعاً لها ، فاتخذتها النساء قدوة تمس بها ، حتى نال زهوها الرجال ، فاحتذوها مذعنين !
قل للمرأة ان تبتكر مثل سكينة ، الا تظل هكذا تحتكم في امر شكلها إليك !
وانت أيها الحلاق .. خذ هذه الاشكال النسائية كلها ، وامعن مدققاً فيها ، واقرأ بفراستك سطور النفوس المنطوية ضمنها ..
فان جاءتك ذات نفس جليلة ، زد انت الى جلالها اناقة الطلعة وان رميت بذات الذوق الكثيف والطباع النفسية الجلفة .. شوه لها مظهرها واعبت ما شئت برأسها ..
وان اتتك الشمطاء تطلب زيفاً مبهرجاً لغضون جبهتها .. ترسم فلول الشعرات السوداء في رأسها .. فان لمست خلالها بذور ماض هزيل .. اشعل الشيب كله في شعرها ، واما ان وجدت معالم ماض ترفل ساعاته بالخير والصلاح ، فهب للنفس الحية فتوة خالدة ..

