في ركن من اركان باحة المعرض ، سوق تباع فيها الاحذية وتشرى ... وفي احدى الدكاكين المنعزلة ، بائع ، توسمت فيه لطف الشكيمة ، وسلامة الخلق ، فاقبلت عليه ابغي شراء حذاء .. وهالني ان اجده لا يفهم العربية ولا يتكلمها ، فهو ارمني غير عربي ... ولما سألته السبب عن هذا الاهمال ، اجابني بسذاجة ظاهرة ، ولماذا احمل نفسي عبء تعلم لغة عويصة ، لا يتقنها اهلها ، ولا هم يحبون التحدث بها ؟؟ .. فانا استعمل الارمنية مع ابناء جنسي ، والفرنسية والانكليزية مع سواهم ... ووجمت للجواب ، فهو مفحم بلا ريب ..
ولما خلوت بنفسي رحت استعرض تلك المناظر المؤذية المخجلة التي تمر بنا كل يوم ، كبرهان حي قائم على اهمالنا الشنيع للغتنا ، ومن ثم ازدرائنا لأنفسنا وكياننا ...
سيدة عربية انيقة تدخل محلاً تجارياً ، تسأل البائع بالفرنسية عن ثمن ذراع القماش ، فيخجل هذا ان يرد عليها بلغة عربية ، فاذا به يجيب بلغة فرنسية سقيمة مهلهلة ، وتنظر اليه بازدراء من عليائها ، وتخرج مشفقة عليه وعلى جهله ...
تلميذات عربيات يتأففن كلما قرع الجرس معلناً حول درس اللغة العربية ، حتى اذا ما دخلن الصف رحن يسألن المعلمة عن معنى كلمة بالفرنسية لتعطيهم
مرادفها بالعربية كي يستعملنها في فروض الانشاء ...
مديرة لمعهد اجنبي ، صار لها تقيم بين ظهرانينا ما ينيف على الثلاثين سنة ، تأنف من دراسة اللغة العربية ، فهي لا تعرف منها كلمة واحدة ، ولا تريد ان تسمع منها كلمة واحدة ، حتى اذا ما اسمعتها احدى التلميذات رغماً عنها ما تكرهه اذناها ، راحت تعانيها عقاباً شديداً تكفيراً على خطيئتها المميتة الشنعاء ..
شاب جامعي ، يعد بين اساتذته ومعارفه ، من خيرة الشباب العرب على الاطلاق ، لوفرة ذكائه ، ووسيع اطلاعه ، يطلب منه ان يلقي حول موضوع لا يخرج عن نطاق اختصاصه كلمة موجزة مرتجلة باللغة العربية ، فيضطرب ويجزع ، ثم يتكلم ، فيتلعثم ، واذا ما يقوله ، مهلهل الاسلوب ، سقيم التعبير ، يفسد على الجامعي آراءه القيمة ، ونظرياته الحديثة ، فتأتي مسوخة ،
مشوهة ، بليدة ، تضفي على صاحبها لوناً من الضعف والعجز والاستهتار ..
تدخل احد الاندية او المرابع المنتشرة في انحاء العاصمة ... فتظن نفسك آناً في باريس وآونة اخرى في لندن او نيويورك ... فالقوم هنا لا يتحدثون سوى الانكليزية او الفرنسية ، هذا اذا كانوا من ذوي العلم والثقافة ، حتى اذا تدنت رتبتهم في هذا المضمار ، فانهم يمزجون بين عربية مهلهلة ، وفرنسية محطمة ، وانكليزية مشتتة ملتقطة من هنا وهناك ..
سائح يقصد العاصمة اللبنانية لقضاء فترة من الزمن ... يهبط من الطائرة يبحث عن فندق يقيم فيه ، ويسعى اهل الخير يذكرون له اسماء الفنادق المشهورة ، فهناك البريستول والنورماندي والسان جورج والكابيتول والپالم بتش ونيو رويال ، وكلها اسماء غربية يعجب لها السائح ... ويختار احد هذه الفنادق ، وفي الصباح يهبط السوق متجولاً في الشوارع يتعرف اسماءها ، هذا شارع بيكو ، وذاك شارع شاتوبريان ، وهذا شارع ألنبي وذاك شارع فرنسا ، الخ .. ويزداد السائح عجباً ... ويحاول ان



