دعيت الى حفلة تضم عدداً من ذوي المناصب العالية ، ورجال الصحافة ، غير اني كنت في منعزل عن الجميع ، اذ لم اكن معروفاً لديهم ، وشعرت باني ضائع في ذلك الجوّ .
ثم دخلت سيدة انيقة المظهر ، مرحة الطلعة ، قدمني اليها مضيفي ، وكانت قد سمعت باسمي من قبل ، وسرعان ما افسحت لي مكاناً بين الجمع ، وافشت لهم من اكون . لم تكن السيدة صديقة لي ، بل هي من النوع الذي يجعلك تحسّ انت كل شيء ، انت محور اهتمامها ، وتنسى ان تفوه بكلمة عن نفسها حين تجالسك .
ينتصب امامي هذا الحادث كلما افكر بالنساء ، وعاداتهن ومشاربهن ، ثم اقارن بين هذه الاشياء الصغيرة التي تجعل منهن نقيضين . ان تصرف السيدة في بحثنا دليل واضح على نضجها وتقديرها ؛ فاني احب الناس ، لا فرق بين كبيرهم وصغيرهم ، او معتقداتهم ، احب كل ما فيهم ولهم ، وهذا احد اسباب نجاح كل فرد ، واساس الرابطة التي تصل بين البشر على السواء ؛ ولكن هناك فئة خاصة ، احس نحوها برباط اوثق ، هي الفئة المحبة للموسيقى والفن والكتب ، لان في الموسيقى حياتي ؛ ثم من بين هؤلاء جميعاً ، افضل المرأة الناضجة .
وهنا لا اريد ان يخلط القارئ بين النضج والسن ؛ فقد التقيت بفتيات يفوق نضجهن في السن السادسة عشرة على بنات الستين ، فالعمر قياس لشروق الشمس وغروبها ، لا لمؤهلات المرأة وكفاءاتها .
لقد أثر نضج النساء على سير حياتي في مختلف اطوارها ،
وكان اول مؤثر امي ، ثم مدرستي التي فهمت امكانياتي وعملت جهدها على انغامها ، ثم ساعدتني على الانخراط في العمل فيما بعد . تسلك المرأة الناضجة مع محيطها بسهولة ، فهي ليست بالمغترّة ، ولا بالجاهلة ، بل تواجه الحياة بذكاء ووعي واقدام ، ثم هي مؤمنة بنفسها وبغيرها ، وهذا الايمان قد يؤثر في توجيه حياة ـ في رفعها من الفشل الى النجاح ـ وسأروي قصة ايمان امرأة على سبيل الايضاح :
كنت كثير الحركة ، اثناء سنيّ دراستي ، وطالما قمت بأعمال شاذة ، فمرّة غرزت مسماراً في معصمي لم اهتم به في باديء الامر ، ولكنه أثار اهتمام امي حين بدأ ما حوله بالتورّم ، ومنعتني من تحريك يدي ؛ فأخذتني الى الطبيب الذي اخبرها بيده « غرغرين » ثم افهمها بانه لا وسيلة لتصفية السم ، واذا انتشر في جسمي سأموت لا محالة ؛ وهنا خيّرها بين حياتي او

