
ملكه امام الناس. وطارت فرحاً تنتظر الغد.
ولكنه لم يأت، ولم يطلب يدها، لم يف بوعده وهو الذي ما تعود ان يحدث بوعد، ما الخبر، ما غيابه؟
وظلت اربعة ايام كالطائر الجريح لا تستطيع الهروب ولا تستطيع التألم. لم لم يأت؟ لم لم يف بوعده؟
وجاءها الجواب، كان جواباً انتظرت كل شيء سواه. لقد مات في حادث اصطدام.
وعندما اخبرها ابن عمها الخبر كان يقوله بلهجة حزينة ولكن ليس من الاعماق. قال لها «مسكين سامي، لقد اصطدم وهو يقود سيارته بسيارة نقل كبيرة فمات للحال.. لقد كنت احبه من كل قلبي.»
ومضى يثرثر، ويرثيه، لكنها لم تعد تعي شيئاً. ان ابن عمها كاذب، انه ليس حزيناً عليه كما يقول، لم يتظاهر بأنه حزين! واحست كأنها تريد ان تقتل ابن عمها كأنه هو الذي قتله.
احست برغبة جارفة للبكاء، لكنها لم تستطع ان تبكي بل نظرت الى ابن عمها نظرة كراهية واستنكار ولم تفه بكلمة واحدة. لقد كانت الصدمة فوق الاحتمال؛ ولم تعد تستطيع تمالك نفسها فمضت الى غرفتها واغلقتها وراءها.
آه! كلا.. ان هذا لم يحدث.. من المحال ان يموت بعد ان احياها! ثم ما حياتها بعده، وما هي بدونه؟ لقد كانت حياتها بحياته فبعد ان مات اصبحت حياتها هباءً.
واحست بأغماء، وغابت عن نفسها، وهنا لم تعد الذاكرة تحمل شيئاً، فكل ما حدث مر سريعاً. فما كلمت احدا بعدها.. ولا رأت احداً. فقد كانت منذ سمعت الخبر في غرفتها لا تبرحها.
واليوم.. ها هي لا تزال حية لم تلحق به، انها لعديمة الوفاء. لم تبق على قيد الحياة، ماذا لها بالحياة من بعده؟ لقد مات كل أمل في قلبها، وما بقي لها في الدنيا حاجة.
انها تذكر الآن يوم ماتت امها! لكنها لم تحزن على امها يومها لأنها ما كانت تشعر بالفراغ الذي كانت تملأه امها بحياتها.
اما الآن فهي تعي كل شيء، وتعلم تماما ما ستكون عليه حياتها بعده،.. فراغ هائل لا يملأه شيء، حياة، كلها متشابهة، مملة، ليس فيها ما ينعش القلب ولا ما يروي الظمأ.
فلترحل عنها، لتتركها بدون رجعة وتبحث عن سعادتها في المجهول.
لقد ذاقت من السعادة امداً قصيراً لن يعود ابداً، وهي بعد ان ذاقته لن تستسيغ الحياة بدونه ابداً، لن تستطيع صبراً عليها.
فلتذهب الى من اذاقها السعادة، وأحيا قلبها بعد مات.
لتذهب اليه في دنياه، وتترك هذه الدنيا.
لقد كانت محرومة كل حياتها التي قبله، ويقولون ان المحرومين في هذه الدنيا لهم النعيم في الآخرة.
فهل سيكون من مصيرها هذا النعيم؟
هي اليوم على ميعاد، لذا فقلبها يمتلئ غبطة، ونفسها تجيش املاً.
غداً ستلقاه.. وستعيش معه، في نعيم الحياة الأبدية، بعد ان أبت عليها هذه الدنيا النعيم.
