سيدتي رئيسة تحرير « صوت المرأة » .
لقد اطلعت في مجلة « صوت المرأة » على مقال « مبدأ التفريق بين منهجي البنين والبنات » الذي دبجته الآنسة روز غريب ، وهالني ما أعلن فيه للقراء الكرام من اني سارد على كاتبة المقال مدافعاً عن هذا المبدأ .
حاشا ، يا سيدتي ، ان ابشر بمبدأ التفريق ، في المعاهد ، بين الفتاة والفتى ، على اساس الجنس ، ولي من الابحاث الفلسفية - حول موضوع المرأة - ما يجعلني بريئاً من هذه التهمة . لقد جندت ، منذ بضع سنين ، كل نشاطاتي الفكرية ، كي انسف ( بمنطق لا يقبل الجدل ) تلك
الحواجز ، التي وضعها الرجل بينه وبين المرأة . فكيف اجيز لنفسي ، اليوم ، وقد جاهدت في سبيل هذه الغاية ، ان اعود القهقرى واهدم المداميك التي ركزتها بيدي .
اما القول بالتفريق ، على اساس الميل ، بين الفتاة والفتى ( ومثله بين الفتى والفتى ، او بين الفتاة والفتاة ) فهذا ما ساعلنه في بحث طويل ، وما ساعمل في سبيل تحقيقه ، آجلاً او عاجلاً . ولا اراني بهذا القول الا سائراً في خطى علماء النفس والتربية ، الذين كشفوا بعض الستائر عن جوهر الانسان ، وابانوا
انه مجموعة ميول ورغبات ، يجب علينا ان نحترمها ، كي ينجح الفتى او الفتاة ، في الاتجاه الذي يختاره لنفسه ، او الذي تختاره لنفسها . من وضع في عنقه ميل الى الرياضيات لا يستطيع ان يتقن الادب والشعر ، ومن وضع في عنقه ميل الى المحاماة لا يستطيع ان يتقن الفيزياء والكيمياء . مثل الانسان ، في المعارف ، مثل من حصلت له ملكة في صناعة ما ، فانه لا يجيد ملكة اخرى . وقد سبقنا ابن خلدون جميعاً ، الى هذه الحقيقة التربوية ، عندما قال : « والسبب في ذلك ان الملكات صفات
للنفس ، وألوان ، فلا تزدحم دفعة ... فقل ان تجد صاحب صناعة يحكمها ، ثم يحكم من بعدها اخرى ، ويكون فيها معاً على رتبة واحدة من الاجادة . حتى ان اهل العلم الذين ملكتهم فكرة ، فهم بهذه المثابة . ومن حصل منهم على ملكة علم من العلوم ، واجادها في الغاية ، فقل ان يجيد ملكة علم آخر ، على نسبته ، بل يكون مقصراً فيه ان طلبه » .
اذا سلمنا بهذا المبدأ التربوي - ولا بد لنا من التسليم به ، مهما يكن الامر ، لانه واضح كعين الشمس - هان علينا القول بإيجاد منهجين ، واحد للفتى وواحد للفتاة . هذا دون ان نفرض
على الفتاة احد هذين المنهجين ، لاننا نترك لها حق اختيار النحو الذي تميل اليه . اذا كان بعض الفتيات يملن الى الرياضيات ، فهناك قسم كبير منهن لا يملن الى هذا العلم . لذا يجب ان ننشئ لهن ما يتجاوب مع رغباتهن ، والا نكون قد عاكسنا روح التربية الحديثة ، ومراسيم علم النفس الصحيح .
لقد اصابت صاحبة المقال بعض الشيء عندما اوضحت بانه « ليس هناك فروق عقلية اساسية بين الجنسين » . ولكن غاب عن بالها ان الانسان لا يتركب من عقل فقط . فاذا كنا نعقل
الحقائق بصورة واحدة ، فان الشعور بها يختلف عند الرجل والمرأة . وليس في ذلك ما يحط من كرامة المرأة ، ولا الرجل ، لان هذا هو ناموس الطبيعة ، ومن عرف ناموس الطبيعة عرف نفسه ، ووجد ان احترام الطبيعة هو رأس الحكمة ، في هذه الحياة . ولو رجعت الآنسة غريب الى مقررات هيئة الامم المتحدة ، وعملت البصيرة فيها ، لرأت ان هذه الهيئة تلح ان يكون « التعليم العام الذي تلقاه البنات معادلاً من حيث القيمة والمستوى لما يتلقاه الصبيان » وهل يعني هذا القرار

