وداعاً يا امي ، لقد آن لي ان احطم القيـد القاسي ، وان اخلص الى نفسي ، ولمن احب في هذه الحياة .
وداعاً يا امي ، التي احببتها ، والتي قست عليّ ونالني منها شقوة ، حطمت احلام طفولتي ، وجففت ينبوع الحياة في كياني الضعيف .
أكان ذلك اكراماً منك لذلك الرجل الذي اتخذته زوجاً ، وظننتِ انــه سيكون لي اباً بعد ابي ، وسنداً ، بعد ان هدّ الموت بيده القاسية ابي الحقيقي العطوف ؟
لست ادري !
أم لعـل ذلك كان منك ضعفاً امام قسوته ، وخضوعاً امـام صلفه ، وحباً للسلام في دنياه الصاخبة ؟
لست ادري ايضاً . لقد سمعتك تتخاصمين معه احياناً ، وفهمت — علـى صغري — ان كان ذلك بسببي . ولكنك استسلمت اخيراً ، وكان ضباباً كثيفاً لفّ كيانك ، فابعدك ، واشاح ببصرك عني . فامّحيت من دنياك ، وكنت كغريبة في كنفك .
ولو لم يكـن هذا ، لكنت اليوم شخصاً آخر في قوتي ، وفي اعماق نفسي .
ولقد اخفيت قهري وخوفي في قلبي الصغير ، وكنت اهرب الى غرفتي مختبئة على مقعد في احدى الزوايا ، كلما رأيت ذاك الرجل داخلاً من الباب الخارجي الى البيت ، واحياناً كلما سمعت صوته او كلما غمرني الفزع في موعد قدومه .
نعم ، كنت اخبىء وجودي الصغير ، في ظلام احدى الزوايا ، وهبة من شبح الهــم الهاجم ، والمجسم في هوله بشخصه المائل .
وكم من الذكريات تزدحم الآن في مخيلتي مملوءة بالخوف والالم والقلـق ، وامواج السعادة اللينة الحبيبة . تلاطف جوانب نفسي ، فلا تستطيع ان تجنّبني ملاحقتها العنيدة القاسية .
لست اعتب عليك يا امي لحبك اختي الصغيرة ، ومداراتك لها ، ان كان ذلك حباً بها ، او مداراة لوالدها الذي احبها ، فلقد احببتها انا ايضاً من كل قلبي .
هل تذكرين ، يوم كنت لا ازال حديثة العهـد بخسارة والدي ، وخسارة حبه ورعايته ، حينما ناداني الرجل الذي اخذ مكانه ، وبيده علبة الحلوى والملبس ، فوضع في صحني كل قطعة مهشمة مشوهة ، ثم نادى اختي الصغيرة نهاد ، ووضع في صحنها اجمل مــا في العلبة . وقابلت انا بفكري الصغير مــا في الصحنين . وفي غفلة مني ، وجدتُني ارمي بصحني عـلى الارض امام الوالد المزعوم ، واهرب راكضة معْولة . ثم تبعتني يا امي ، معنّفة موبخة . غير مدركة الجرح الذي أصبت به كرامتي الصغيرة الساذجة .
انه يخطىء يا امي ، من يظن ان الطفل لا يدرك ولا يلحظ ما يدركـه ويلحظه الكبار . بل ان الاطفال اشد حساسية ، واعمق سبراً في مجاهل الحوادث الطارئة من الكبار احياناً كثيرة .
وبعـد سنين يا امي ، حينما مرضت ذاك المرض الطويـل ، ألم أقضِ ايامي وحيدة في الفراش وانت لاهيـة عني ، تاركة امري الى الخادم الصغيرة ، التي لا تحسن تمريضي ورعايتي ، بل تؤذيني من حيث لا تعلم .
لقد اتيتِ مرة وحيدة ، وفي عينيك حب غامر ، فنظرت في عينيّ وسألتني :
« كيف حالك يا ماما ؟ »
أجبت : « بخير والحمد لله » .
وما ان وضعت شفتيك على جبيني الملتهب ، حتى شعرت انا بالدموع تتقطر في قلبي ، وتحشرج في حلقي . ومـا خرجتِ مـن غرفتي حتى دفنت رأسي بالوسادة واخذت ابكي ، بكيت كثيراً يا امي ، وانا لا اعلم ؛ أكان بكائي من فرح غمرني ، ام من حزن استولى عليّ ؟ ولكني كنت اشعر انني في حاجة الى المحبة والعطف في مرضي وضعفي ووحدتي .
فيا لتلك المحبة التي افتقدتها ، ورجوتها منك آنذاك ، ما كان اعزّها وابعدها !
كنت اذهب واختي سلوى كل صباح الى المدرسة ، هي مزودة بقبـلات العطف والمحبة . وانا بالغصة تثقل صدري . وفي افق خيالي نظرات الكره منـه ونظرة اللامبالاة منك ، ايتها الوالدة ، التي لم ترحم حساسية تفطّر بها فؤاد اليتيمة الصغيرة .
كانت تأتيكما علامات الدروس من المدرسة ، فكنت اخاف جد الخوف ، حين اعـلم الفرق الشاسع بين درجتي

