ودرجة سلوى في صفنا. فانا دائماً الاولى، وهي دائماً مقصرة في مادة من المواد الدراسية.
فكان هذا ذنباً من ذنوبي انال عليه نظرات الحقد منه، واهمال التشجيع منك. وكم من مرة نالت اليتيمة التوبيخ، واحياناً الضرب بدون ان تعلم انها اذنبت او انت امراً يستحق القصاص.
ومرة واحدة انت درجة اختي السابعة في الصف، فاقيمت لذلك حفلة في البيت، حضرها المعلمات وكثيرات من التلميذات. وكان نجاحها مدار الحديث مدة. حتى اتت علامات الفصل التالي، تشير الى ان سلوى تأخرت عن درجتها ابعاداً.
كم من مرة تظاهرت بالنوم في سريري، حتى اذا نام كل من في البيت، نهضت لادرس على ضوء الشارع الضئيل الداخل من النافذة، كيلا أنير الضوء، فتعلمان انت وهو اني ادرس، فانال بسبب ذلك قصاصاً مراً.
ولشد ما سمعتكما تمتدحان جمال نهاد الشقراء. وتزهوان به، وتكرران على مسمعي:
« غداً عندما تكبر لن نستطيع ان نتخلص من ملاحقة ( الخطابين ) فهم سيملأون البيت »
وكنت انظر الى المرآة، فلا ارى الوهج الذي يشع من عيني اختي الزرقاوين ومن لونها الوردي، وشعرها المذهب.
كنت ارى بياض وجهي الشاحب، وسواد شعري وعيني الواسعتين. فتقول اليتيمة: « ربي لا تجعلني بشعة ».
وكثيراً ما اطلت النظر في تلك
المرآة، التي لم تكن تصدقني الحديث، بل تحدثني بما في قرارة نفسي من اعتقاد بضآلة حظ اليتيمة من الجمال.
وكان هذا يجز نفسي، ويؤلمني اشد الالم.
ومنذ سنتين فقط، اصدقتني المرآة الخبر. كان ذلك حينما اقيمت حفلة ميلاد سلوى. وكانت في الرابعة عشرة. وانا في السابعة عشرة.
دخلنا معاً الى البهو، فشعرت بنظرات الاعجاب تصوب اليّ. وردّد الجميع عبارات الاطراء لجمالي. فظهرت علامات الدهشة على وجهك يا امي. ومعاني الكره على وجهه هو.
وفار في قلبي انا ينبوع من الغبطة، فقد استجاب الله لليتيمة، وقبل دعاءها. وذهبت توّاً الى المرآة استشيرها. فكانت صادقة.
ومن كل ما مر معي من الحوادث
التي تتتابع الآن كشريط سينمائي، امام ناظري، ارى اشدها ايلاماً لنفسي، صورة لليتيمة. لا ادري اذا كانت ايام هنائي ستستطيع محوها على مدى الايام.
ذلك حينما وقعت اختي عن سلم البيت، فعلا نحيبها، فركضت انا من غرفتي اليها، وهجمت انت معه، لاهثة مقطعة الانفاس. اما هو فكان كالوحش الهائج. وما ابصر بي وانا انهضها عن الارض، حتى لطمني على وجهي لطمة، لم اعلم الى الآن سببها.
كنت في الرابعة عشرة يا امي صبية، تشعر بكبر نفسها، وكرامة عمرها، وزهو الامتياز في مدرستها.
واشكر الله ان عوضتني المدرسة من الكرامة والثقة، ما اضاعته اليتيمة في بيتك وبين عينيك.
فالآن، وبعد ان احاطني الاطمئنان في بيتي الجديد، اسامحك يا امي، وارجو لك الخير كله.

