منه نظرة الى ابيه ، فرآه يسير بخطى مسرعة ، وقد لفّ الشال البني كعادته حول عنقه ، ووضع يديه في جيبي معطفه . مسكين هذا الوالد ، انه ذاهب الى عمله كعادته في الصباح الباكر وبعد الظهر من كل يوم . ولا تعني الامطار والثلوج اعفاءه من العمل مؤقتاً ، ومن السير عشرين دقيقة حتى يصل الى الدائرة . بأي كلام سيقول له ابنه الوحيد الذي هو امله في الحياة : « طردت من المدرسة » .
★
« الحمد لله ، لقد تحررت اخيراً .»
تنفس احمد الصعداء ، والقى بنفسه على سريره بعنف . جميع اهل البيت نيام ، ما عدا أحمد .
« اني جبان ، اني جبان ..»
هبّ من سريره ، واخذ يذرع ارض الغرفة بعصبية واضطراب .
« لماذا لم اواجه والدي بالحقيقة ؟ لماذا ؟ لماذا جبنت عن القول ؟ وكيف تجرأت على النظر في عينيه وهو يقول لي قبل ان ينام - ليلتك سعيدة يا احمد - سعيدة !! ها .. ما اسعدها من ليلة . انا الذي كنت الضحية ، وقدمت نفسي فداء رفقائي . انا الذي حاولت في كل لحظة من لحظات حياتي ان اكون مثالاً للكمال . أنا لا اذكر اني اسأت يوما ما الى انسان . أنا ، أنا لم اعد أحمد ذلك الطالب المثالي في اعين الناس . ولكن .. أليس الله راضياً عني ؟ ألست راضياً عن نفسي ؟ لا ، قد لا أكون ؟ لا ، لا ، لست ادري .»
وفجأة ، توقف عن السير ، وتشنجت يده اليمنى في داخل جيبه ، ماذا هناك ؟
اخرج يده ، فاذا بها تحمل الامانة الكبرى التي سلمها اليه المدير في بدء العام الدراسي قائلاً : « اني اعرف يا احمد انك خير من يتولى ادارة المكتبة ، وخير من يعرف قيمة الكتاب . هذه هي المفاتيح . وتمنياتي لك بالنجاح ، هم جديد ، سيضطره الى العودة الى المدرسة ، ليعيد الامانة الى الذي سلمه اياها .
« يا له من حظ منكود ، ان مواجهة والدي اهون الف مرة من مواجهة المدير . وماذا يفعل والدي ، انه يثور وقد يعاقبني ويهددني . ولكن المدير ،
ليته يفعل شيئاً من هذا . انه لا يثور ، ولا يسخط ، بل ينظر اليّ بعينيه الهادئتين العميقتين ، فتنفذ نظراته الى اعماق نفسي .
رباه ، ماذا فعلت حتى اعذب هذا العذاب ، نويت خيراً ، فلقيت الشقاء .»
★
غاندي !!!
أجل ، انه غاندي ، ها هو ينظر بعينيه الرحيمتين العميقتين ، وشفتاه ، لا شك تبتسمان كالعادة .
( البقية على الصفحة ٥٠ )

