يتلقى الفن على يد كبار الموسيقيين آنذاك، ومرة طلب من ابن عم له ان يعمل مكانه لمدة شهر، يسافر هو خلاله الى «لوبيك» ليستمع الى «ديتربخ بوكستيهود» فبقي ثلاثة اشهر ولما عاد ثار حوله التساؤل عن سبب الغياب الطويل، ثم عن التغيير الملموس في ألحانه؛ وفي هذه الفترة، طلب اليه ان يصبح لاعب الارغن في احدى الكنائس، فرضي، وتزوج ابنة عمه، وصرف سنة على هذه الحال، اصبح بعدها موسيقي دوق «ويمار»؛ ثم انتقل الى كنف الامير «ليوبولد» ولكن الدوق ادعى عليه وتمكن من سجنه، فانصرف في عزلته هذه الى التأليف ولكن الامير عامله فيما بعد على اساس صداقة متبادلة، يبقيه الى جانبه حيث سافر، واثناء احدى سفراته مرضت زوجته وماتت وكان يومئذ والداً لأربعة اولاد، اكبرهم فتاة تبلغ الثانية عشرة من العمر، وبعد سنة ونصف تزوج من مغنية في بلاط الامير، وانجبت له هذه ثلاثة عشر ولداً، بقي منهم ستة على قيد الحياة: وكانت تساعده في نسخ الموسيقى، وقد جمع القطع التي كرسها لها في كتاب واحد، ضمنه اشعاره التي تدل على مدى المحبة التي غمرها بها.
وكانت في زواج الامير نهاية ايام «باخ» في القصر لان العروس الجديدة تكره الموسيقى، وتغار من انصراف زوجها لهذا الفن، فاضطر الفنان ان يغادر الى «ليبنغ» حيث اقام حتى مات، يصارع الفاقة والعوز، ويجاهد ليحصل على نزر يسير من التعليم لاولاده، ولكن رابطة واحدة كانت تصل بين
الجميع، فيهيمن الحب والوئام على جو منزله، وقد كتب في رسالة خاصة يقول: «ان اولاد زواجي الاخير صغار ولكنهم عشاق الموسيقى».
كان «فردريك» العظيم حاكم «بروسيا» لطيفاً مع الفنان، مساعداً له في اواخر ايامه، دفعه الى ذلك شغفه بالموسيقى وتقديره للفن، مما جعل «باخ» يكرس له بعض القطع الموسيقية؛ وقد ضعف بصر الفنان في العام الاخير من حياته، فاجريت له عملية ادت الى كفاف بصره الذي عاد اليه في الصيف التالي، ولكنه لقي حتفه بعد بضعة ايام من ذلك.
فكر «باخ» بانه لن يذكر طويلاً، وفعلاً كاد ينس لو لم يزح «موزارت» الغشاوة عن نور فنه؛ وزار «لودفيك فان بيتهوفن» فيينا فاثار دهشة السامعين حين عزف احدى القطع لموسيقى غير معروف، كان اسمه «باخ» وتألفت في عام ١٨٥٠ لجنة تخليد وتدوين مؤلفات هذا الفنان، ولكن ذلك لم يمنع قسماً كبيراً من الضياع.
لم يسجل احد الموسيقيين مؤلفات «باخ» ومن فنه ويمكن ان ينطلق في اي سبيل يشاء، لانه واسع رحب الارجاء، وقطعه تخلد على مرّ العصور، لا يتسرب اليها فناء!

