سار أحمد إلى الإمام، وهو ما زال مشدوهاً محدقاً في الصورة التي أمامه، والتي علقها منذ أربع سنوات على الحائط كي يراها كلما يستيقظ أو ينام. اقترب أكثر، فاستطاع أن يقرأ الرقم بوضوح.
« ٢٣٣٨ » . أجل، هذه حقيقة.
« ٢٣٣٨ » يوماً قضاها غاندي في السجون. هل هذا قليل؟
- ما أجمل أن يشقى الإنسان في سبيل سعادة الغير -
وافترّت شفتا أحمد عن ابتسامة الرضا، ووضع المفاتيح بكل أناة على المنضدة، وأطفأ النور، ونام.
« أدخل ».
فتح أحمد باب الغرفة ودخل. فرفع المدير رأسه وقال:
- « أوه، أحمد؟ أهلاً وسهلاً، تفضل واجلس. »
- « لا أودّ أن أزعجك يا سيدي، ولكني جئت لأردّ إليك الأمانة، تفضل ».
وبيد مرتعشة وضع المفاتيح السوداء على المنضدة أمام المدير.
- « أحمد؛ اسمع يا بني. أنت تعرف جيداً أنه ليس لي أولاد. وأني أحمد الله على كل حال. ولكنك قد لا تعلم أنك ... أعني أنك كنت أنبل وأروع طالب رأيته في حياتي. كنت أرعاك دوماً، وأرقبك بعين ساهرة. كنت أرجو منك أن تصبح في المستقبل إنساناً عظيماً، فأنت عظيم بطبعك. كنت آمل
أن أستطيع بعد سنوات، أن أفخر وأقول، هذا هو الطالب، أو، هذا هو ... ولدي الذي أنشأته. و... والشيء الذي أودّ أن أقوله لك، هو أن ذاك الأمل، ما زال في نفسي.
لا حاجة بنا إلى ذكر ما حدث بالأمس. فأنا أعرف أنك لم تقذف بالكرة، ولكن ... اسمع يا أحمد.
جميلٌ جداً أن يسمو الإنسان بتفكيره، وأجمل من هذا أن يتجه بتفكيره إلى غيره، قبل أن يتجه به إلى نفسه. ولكنّ الحياة مهما اتسعت أطرافها، فإن لتلك الأطراف حدوداً يا أحمد.
أحمد، أريد أن تكون مصباحاً
وضاء لتنير السبيل إلى الآخرين. ولكني أودّ منك أن تذكر دائماً ودائماً، أنك إن زدت الحرارة عن حدها، فلا شك أن المصباح ينفجر يوماً ما.
والآن، أرجو أن تتذكر وأنت عائد إلى البيت بعد انتهاء الدروس، أن تشتري زجاجة جديدة لمصباحك الذي تحطم زجاجه أمس. ولا أعتقد أني أجد في يوم من الأيام، من هو أكفأ منك برعاية هذه الأمانة. تفضل، ولا تنس قبل دخولك إلى الصف أن تفتح غرفة المكتبة، فقد يكون بعض الأساتذة بحاجة إليها.
بيان نويهض
رام الله - الأردن

