يقول علماء النفس .. ان مئات الاحداث في الدنيا اصيبوا بعقد نفسية لأن العاطفة التي يتوق الصغير اليها كانت مفقودة في المنزل .. او لأن الأم بنوع خاص لم تظهر الحب الكافي للصغير .. اما لانه اقل ذكاء من اخوته او اقل جمالاً ..
ولقد اصبح من المؤكد ان عشرات الاحداث المنحرفين من شكلوا عصابات تضع الحجارة على خطوط القطارات .. او
من سرقوا وقتلوا وطوردوا من رجال الامن فتعلموا كل انواع الاحتيال وهربوا من اصلاحيات الاحداث مراراً حتى يئس المسؤولون من اصلاحهم .. ان هؤلاء المجرمين الصغار جربت بعض الاسر تبني بعضهم واغدقت على من تبنت عاطفة هزؤوا بها بادئ الامر ثم سعدوا بها واجتهدوا لكي يصلحوا نفوسهم فيظلوا اهلاً لها فنجحوا واصبحوا من خيرة الرجال .
امام هذه الحقائق المتفق عليها يتساءل المرء عن قوة المحبة وعمق تأثيرها ومدى شوقنا اليها ..
ويطالعك بعد ذلك طبيب من اكبر الاخصائيين في الولايات المتحدة هو الدكتور هولت فلا يتكلم كثيراً ولكنه يكتب على وصفة الدواء التي يعطيها للطفل ما يأتي « يعطى مع كل ملعقة دواء قبلة » .
وتتساءل هل اصبح الاطباء يؤمنون بأن العلاج النفساني يجب ان يسير جنباً الى جنب مع العقاقير الطبية ؟ وهل التقوا مع علماء النفس في نقطة هامة وهي ان نفسية المرء منذ طفولته لا غنى لها عن الحب .. ؟
ولقد ظن الناس قبل الان ان الفرد من كلا الجنسين يبتدئ بالبحث عن العاطفة في سن المراهقة فالشباب وحسب .. ولكن الواقع ان الامر عكس ذلك فالانسان مكون من عنصرين

نفسانيين يخلقان معه وهما العقل والعاطفة .. ولكن العقل لا يبتدئ عمله الا بعد فترة معينة من النمو .. بينما تبتدئ العاطفة عملها من الاشهر الاولى .. لأن الطفل الذي يبكي فيحمل ويضم فيسكت انما يفهم بطريقة لا شعورية انه على صدر حنون .
ونمو والمحبة تعمل عملها في حياتنا حتى لتفوق بقوتها قوة الدم المتحكم في عروقنا .. فالاب والابن ، والاخ والاخ قد تحيا رابطة الدم من بينهم وتحل محلها البغضاء والحقد بينما تستطيع المحبة ان تصل بين غريبين لا اثر لقربى الدم بينها فتجعل منهما اخوين حبيبين .
ونظل نشتاق المحبة .. نشتاقها ازواجاً كهولاً وشيوخاً .. عاطفة بريئة اقرب ما تكون الى الصداقة .. وابعد ما تكون عن العلاقات الجنسية .
ونشتاقها في الاهل وذوي القربى .. فان فقدت كانت الصدمة في نفوسنا كبيرة ورددنا مع الشاعر بمرارة :
وظلم ذوي القربى على النفس ان بغوا
لأصعب من وقع الحسام المهند
نشتاقها اصدقاء .. بل ولعلها في اسّ الصداقة وهكذا ترى من يدرك قوة هذا الشيء المتغلغل في كياننا كاعمق ما يكون التغلغل .
لولاها لما كانت اعجوبة الامومة بخلودها .. وعمق التصوف بتضحياته .
انها صبر المثال الذي يدأب على النحت ضربة ضربة ليصنع تمثاله المحبوب .
ونفس الفنان التي يذيبها قطرة قطرة ليصوغ لحنه الرائع .
ولقد ادرك المشترعون قوتها واثرها في سلامة المجتمع فانزلوها شريعة في كل دين .. وهتف المشترع العظيم الذي يعيد له ملايين الناس في اقطار الدنيا « احبوا » فلما سألوه ومن نحب .. ؟ اجاب تحب عدوك تحب قريبك تحب الجميع .. قالوا
