المحسنين بتلك الجملة الخالدة التي لا يعتريها التغيير والتبديل :
- ارحموا أماً تكفل طفلها اليتيم .. ارحموها يرحمكم الله !
اترى يلبث ابنها اليتيم طفلاً تلحق به صفة الطفولة واليتم على مر السنين ، وان جاوزت خمساً وعشرين ؟!
ألم تدرك « ام سجلول » ان طفلها قد كبر وترعرع ، حتى صار شاباً رائع الشباب ، يسعى في الحياة سعي العاملين ؟!
انها لتأبى الا ان تعده ما برح طفلاً وان بلغ مبلغ الرجال وان انفصل عنها يكدح ويغامر ، فهو على الرغم من كل شيء ذلك الطفل المستضعف المهيض الجناح ، لا غنية له عن كفالة امه ترعاه وتحدب عليه !
نشأت « ام سجلول » في كنف رجل جزار يعمل في المذبح ، كأنما صاغته الطبيعة ليمثل طائفته من الجزارين خير تمثيل : قامة فارعة ، والواح عراض ، وشارب غليظ مسنون يقف عليه الصقر كما يقولون في الامثال .
نشأت هذه المرأة في كنفه ، وهي صبية لا تعرف من ماضيها أي شيء ، اصابها في بعض الطريق طفلة لا تكاد تبين ، اذ التقطها رأفة بها ومرحمة ، فاليه يرجع الفضل كل الفضل في بقائها حية كسائر الاحياء .
ذلك ما كان يردده الرجل على سمعها صباح مساء ، وهو مزهو يفتل شاربه ، فلا غرو ان تؤمن بما له عليها من منة ، وان تجزيه على احسانه اليها ولاء موصولاً وطاعة عمياء ، تخلص له في الخدمة وان اغلظ لها في القول ، وتضطلع بأعبائه وان قسا عليها في المعاملة
وما أكثر ما عانت من عربدته حين يثوب اليها في جوف الليل ، سكران يترنح ... على رأسها يصب ما في رأسه من نزوات الحمر !
كان مولاها وسيدها هذا لا يفتر عن تذكيرها بما لها من ضآلة وتفاهة ، وهو الذي دعاها « ام سجلول » قبل ان تبلغ الحلم ، تهاوناً بها وسخرية ، فحملت هذه الكنية قبل ان تعرف كنه الامومة ، وتقبلتها دون انفة ولا تذمر ، واستقر في اعماق نفسها انها كما ينعتها مولاها وكما ينعتها سائر الناس من حولها احقر
مخلوقات الله جميعاً وأبشعهن صورة ...
وانساقت الأعوام بتلك الصبية ، حتى جاوزت السادسة عشرة ، وهي على حالها مخلوقة لا تحنو عليها الطبيعة بشيء من فتنة الأنثى ، ولا حظ لها من العيش الا هذا اللون الدائب من المهانة والمقت والاذلال .
ويوماً ألفت نفسها شريد طريق ، لا عائل لها ولا مأوى .
اين سيدها ومولاها ؟ لم تدر من شأنه الا قول الشرطي لها :
- انه لن يعود !

