والدعة ويسبغ على نفسها السكينة والهدوء .
في هذا المأوى وضعت «ام سحلول» وليدها المرتقب ، وبين جدرانه كان منشؤه ومرباه ، ومنه خرج سليل الظلام يستقبل نور الحياة في دنيا الامل والعمل والكفاح .
وحرصت تلك الشريدة الطريدة ، ربيبة المهانة والبأساء ، على ان تحوط ذلك الوليد النابت بالرعاية ، وان تحميه من عوامل البؤس والتشريد ، وان تحيله كائنا له في الدنيا مكانة وخطر ، على نحو ما كانت تبغي ان يكون !
لطالما اخذت « ام سحلول » طفلها بين يديها ترقصه في تلك الحجرة المعتمة على بصيص من ذبالة المصباح الاعفر وهي تناجيه بقولها :
- لتغذون اعظم من ابيك ... وليكون لك شأن !
ثم تضمه الى صدرها في شغف ، وفمها على فمه ملتحمان في قبلات يسيل منها دمعها الحنون .
وكلما وقع بصرها على رجل مهيب الطلعة ، وجيه الشارة ، ناجت نفسها تقول :
- لماذا لا يكون ابني مثل هذا الرجل ؟ ... فليحرسه الله !
فان مرت بدار انيقة المظهر ، رفيعة الطباق ، شخصت اليها تقول :
- لماذا لا يسكن ابني مثل تلك الدار ؟ ... فليحرسه الله !
وان جازت بها سيارة فارهة المنظر ، لامعة الطلاء اتبعتها نظرها تقول :
- ليكون لابني سيارة كهذه السيارة ... فليحرسه الله !

