الجامعة ، فلا خوف عليهم من الصدمة ، على الأخص واني اعيش في هجر فكري وجسدي لعدة سنوات .
لم يخالج فكري من قبل ما معنى طلاق ، أو أي الاوساط تهتم به ، ولكن نداء رينو لقي في نفسي تجاوباً ، فليته !
قد يفكر البعض ان رينو بلد السلوى والمرح ، والتحرر ، ولكنها ضيقت انفاسي ، وكانت تشدّ على صدري يبد من حديد ، كما كان وشاح الوحدة يلفني في كل لحظة .
عين لي مرافع حال وصولي ، وبدأت أحسّ ضياعي ووحدتي في زحمة المئات ، من مترقبات صدور العفو .
أطلعت الدائرة التي اتصلت بها على حاجتي للعمل ، كي اسدّ به متطلباتي ، وطفت المكاتب ، فكان ابداً يواجهني هذا السؤال : ما هي مدة اقامتك في رينو ؟ وبالطبع لن يرضى اي مكتب ان يوظف من كانت تنوي الاقامة اربعة اشهر في المدينة . ولم يكن نصيبي في غير المكاتب بأفضل من هذا ، وجاء وقت بدأت فيه احسّ بنفاد كمية النقود التي احمل ، واخيراً حظيت بعمل مؤقت ، في مؤسسة ، فكانت يقوم بمصروفي ، ومصروف الاولاد .
ليست المساعدة المادية التي يؤديها العمل ، بأقل من رفع المستوى المعنوي ، وهكذا فالعمل يشغل الوقت ، حتى لا يكاد يحسّ المرء بمر الفرص ، وكانت النساء تبتكر شتى الوسائل لاضاعة الوقت فلأجل شراء عقد ، كانت الواحدة منهن صرف مدة اربع ساعات !!
تحيط برينو جبال رائعة الجمال ، تكسو فمها الثلوج معظم ايام السنة ، وحولها البحيرات تناوج زرقتهما ، وتتآلف مع زرقة السماء ، والانهار تنساب عقوداً متلألئة ، اما قلب المدينة فحركة مستمرة بين وداع ولقاء ، ولكن الحياة الداخلية رتيبة تتنوع فيها اسباب الألم .
كانت النساء معي تهتم بقضيتي ، كما اهتم بهن ، وفي كل لحظة هناك من تنفجر بالبكاء ، او تقضي الليل تصارع الارق بجبات تخدر اعصابها . لم تتأثر ابنتي ، وعمرها عشرون سنة ، حين اخبرتها عن طلاقنا ، بل اجابت بكل هدوء : سوف نبني حياة جديدة مع اخي ، طالما كنا نحن الثلاثة ولا نزال نعيش معاً . وبقيت تراساني بصورة طبيعية جداً ، فكأنني اصرف عطلة بعيدة عنها لأعود بنشاط وحيوية أجد .
ولكنها بعثت رسالة ، وقد مضى على اقامتي في رينو خمسة اسابيع تحاول فيها ان تقنعني لأعود الى حياتنا العائلية الاولى ، ولكن أيمكن ان تعود حياتنا الى سابق مجراها ؟ واستقرت الفكرة
برأسي ، ورحت ابحث في الماضي ، عما ابني به الجديد لحياتي ، ممّ اجمع وسائل البناء ؟ هل كانت خطوتي متسرعة ؟ ام كان عليّ ان اقوم بهذا حين كان اولادي صغاراً ؟ اخيراً ارسلت لها جوابي : « لا اعلم الى اين تقودني طريق رينو ، ولكن لا سبيل الى عودتي للبيت » . بينما كنت انوق لحياة عائلية ناجحة ، يرتاح اليها اولادي .
وكم مرة نظرت الى نفسي بتساؤل : هل انا تلك السيدة ، ام لولدين ؟ وسرعان ما كان ينفرد فيطغي على كل شيء وميض خط بنار ، ويقف امامي حائراً في الهواء : الغد ! الى اين ؟
وتمّر الايام سراعاً ، والقضية تأخذ في مجراها ، وحياتي الرتيبة ، تسير ، واقف لآخر مرة امام القاضي لأتسلم شهادتي ثم اطير الى المحطة . عيني عالقة بالأنوار ، تراقب اللوحة وحروفها : اهلاً بكم الى رينو ، اكبر مدينة صغيرة في العالم ! وتعود خاطفة في خاطري الأيام التي صرفتها هنا ، وابعد الفكرة ، ثم اجمل حقيبتي واسير ، لقد شفيت .. لقد تخرجت !