المعرفة، فأقبل على درسه ماضي الهمة، مرهف الفطنة، تلهب امه من عزمه، وتبصره بأن الحياة صلابة وجد، وان النجاح سبيله الاستماتة في الكفاح.
ولما شب الفتى عن الطرق، افردته « ام سحلول » في حجرة لائقة به، واختارت له هذه الحجرة في بيت حديث البناء يقوم على ناصية « الشارع الكبير » كما كانت تسميه ... اما هي فاستبقت ذلك الحجر المعتم تحيا فيه حياتها الراتبة.
وكانت تؤم حجرة ابنها تقوم فيها بالخدمة، فتغسل الثياب، وتنظف الاثاث، وتطهو الطعام ... فان اضطرت ان تتحدث الى بعض الجيرة اوهمتهم انها كانت على صلة بأسرة الفتى، وانها تعلقت به، واخلصت له وستبقى على العهد تخدمه.
واحيانا يسألها الفتى :
- لماذا لا تقيمين معي يا اماه؟
فتخفض « ام سحلول » بصرها، وتأخذ بطرف ثوبها تثنيه وتبسطه ثم تجيب :
- دعني وما انا فيه يا بني، فان لك شأناً غير شأني ... انا « أم سحلول » .. عرفت حياتي وألفتها ... ولن اغيرها ما بقي لي وجود ... اما انت فلك عالمك ومستقبلك، تحيا فيه وتنعّم به، وتتملى ما فيه من سعادة وعزة ورقي .. فليحرسك الله !
ثم تسمو بهامتها اليه، تستطلع اثر حديثها في وجهه، وقد انتفضت نفسها بالحنو، ونديت عينها بالدموع.
وترادفت اعوام، والمرأة تنفق على
ولدها في سخاء، وتشرف على تربيته وتخريجه بوحي من بصيرة الأم الرؤوم.
واقتحم الشاب ميدان العمل، فأسند اليه منصب في إحدى الشركات يدر عليه من الرزق ما يكفل له عيشة راضية، فانتقل الى شقة فاخرة، واقتنى سيارة انيقة، واصطنع الخدم يقومون بشأنه، وامه على حالها في جحرها العتيق، تزهو بسعيها الموفق، وثمرها الناضجة، وتنشد لعزيزها النماء والمزيد.
ولقد اقلت من زيارتها له، حتى لا تثير الشبهات من حوله، فكانت تحرم
نفسها رؤيته، لكي تجنبه ما يعكر صفوه ويشوب هناءته ...
ولشد ما عالج ابنها ان يجتذبها الى مسكنه، وان يقرها فيه، فأبت عليه، واصرت ان تدعه كما هو وحده، وان تكون هي عنه بمعزل، لا تبغي بحياتها من بديل.
وجعلت المرأة تشتد في جمع المال اكثر ما كانت تفعل، فهي تعمل جاهدة في الاستجداء، حتى يتوافر لها قدر من المال عظيم ترصده لغرض معلوم.
حق لابنها ان يتزوج ...

