اليه ، فما يكون لها بعد ذلك من مطمح في الحياة .
في هذا اليوم تختتم مرحلة الشقوة والكد والعناء ، لتبدأ مرحلة جديدة من الطمأنينة والهدوء والاستقرار .
في هذا اليوم تكمل رسالتها في ذلك الوجود ، وتم انجاز واجبها الذي ناطته بها الاقدار .
واضطرمت في نفس المرأة حيوية لم تعهدها من قبل ، واستشعرت قوة واقتدارا لم تعرفها في ماضيها الغابر ، فذلك انقلاب شامل يطرأ على تلك النفس المستكنة المتخاضعة اللائذة بالصمت والظلام .
انها مخلوق جديد لا يمت الى شخصها القديم بنسب قريب او بعيد .
لقد اختارت اليوم لنفسها اسماً مستحدثاً تعرف به : « ام البك » .
ولقد ارسلت من يشيع في بيت ابنها ان « ام البك » قدمت من الضيعة في الصعيد الاعلى لتشهد وحيدها العزيز في حفل زواجه السعيد .
وقضت « ام البك » يومها الاطول تنتقل بين « البلانة » و « الماشطة » في الحمام ، وبين ايدي النساء يشرفن على زينتها وملبسها في بيت خياطة مشهود لها بالمهارة والاتقان .
ولما توارت شمس النهار لتسمح لشموس الحفل من المصابيح الكهربائية ان تتوهج مختلفة الالوان ، بدت « أم سحلول » وسط الجميع تتخطر ، تارة تحيي الضيوف في وقار وشموخ ، وتارة تطارحهم الحديث في انس يمازجه ترفع ، واذا هي تلتفت بغتة ، لتصدر الاوامر في سطوة واعتزاز ، جهيرة الصوت ،
مرفوعة الهامة ، كأنها قائد فيلق في موقعة فاصلة .
لقد ظهرت « ام سحلول » في حلة قشيبة زاهية . تطول قامتها بما انتعلت من حذاء عالي الكعب انيق ، ويمتلئ جسدها بما احتشت من اثواب اشتات ، ويعلو صدرها بما ركب فيه من حشيتين ناهدتين ، بدت بها المرأة كأنها عذراء كاعب .
ولقد اجادت الماشطة عملها أيما اجادة ، فاخرجت من المرأة حسناء مكحولة الجفن ، مزججة الحاجب ، مكسوة الشعر بالسواد اللامع ، مطلية الوجه بأخلاط العبير والمساحيق ، مصبوغة الشفة بالحمرة القانية ، حتى غدت كأنها دمية للزينة زاهية الالوان .
ورئيت « ام سحلول » تنساب من بين اناملها العطايا والمنح ، فتتلقفها جوقة الغناء والرقص ، ويتلقطها الخدم والحشم ، وانطلق الهتاف « بأم البك » تتقاذف به الافواه في حفاوة وتكريم واعجاب ، وانبعثت انظار الجمع تتحلق حول « ام البك » سائرة في تبختر وخيلاء ، وهم يفسحون لها الطريق ، ويحنون من هاماتهم في تجلة واكبار .
وتصدرت « ام سحلول » مقصف الحفل ، وطفقت توزع بيديها ما لذ من الطعام وما طاب من الشراب ، سخية بالاعطاء ، ملحة فيه ، حتى لم تدع احداً الا ناولته من فيض خيرها العميم .
ثم عدلت عن المقصف تريد الطريق ، والخدم من ورائها يحملون قصاع الثريد وصحاف الحلوى ، واذا هي تطعم العفاة المزدحمين بباب الدار ، فتعالت اصواتهم يمتدحون « ام البك » ويدعون لها اخلص
الدعوات .
وانقضت ساعات الليل ، والحفل ساهر في طرب ومراح لا يخبو له رونق ، و « ام سحلول » تتراءى كأنما هي العروس ، وما زوج ابنها الا احدى الوصائف في حفل الزفاف .
وفي مسبق الفجر تزايلت اضواء المصابيح ، وتخافتت اصوات السمار ، وما هي الا ان اطبق السكون العميق على جوانب الدار .
وصعدت « ام سحلول » الى غرفة اعدت لها في السطح ، فتخاذلت اوصالها على فراش وثير ، تسترسل بها الاحلام في شتى الاجواء .
وفي ساعة الظهيرة حين جلبت مائدة الغداء ، قصد الى الحجرة رسول يوقظ المرأة من النوم ، لتشرك الاسرة في الطعام ، فألفاها الرسول جثة بلاحراك .
وكان اكبر شيء يسترعي النظر فيها ما يتجلى على محياها المشرق من صفاء وراحة واطمئنان ...
لقد نعمت بزبدة الحياة في ليلة يا لها من ليلة ، فليست هي اهلا بعدها لحياة .
لم يعد « لأم سحلول » مكان في حياتها السابقة التي كانت تحياها من قبل اذ ادت واجبها فيها كل الاداء ، واطمأنت نفسها بما انتهت اليه ، وفرغت منه .
ولا مكان « لأم سحلول » في تلك الحياة الجديدة التي يستقبلها ابنها العزيز في ظل زواجه السعيد .
انها لتنطلق الآن سابحة في الآفاق العلوية ، راضية مرضية ، وقد تخلصت من القيود والاثقال !
