
من المشكلات الهامة التي تشغل المفكرين في العالم ، مشكلة مستوى الحياة فقد أصبح من البديهة بمكان ، أن نسبة الرقي في مجتمع ما هي بنسبة رقي مستوى الحياة فيه أو عدم رقيه .
ورفع مستوى الحياة يتأتى بتوفير الأقانيم الثلاثة ! الغذاء ، والتطبيب ، والتثقيف ، وحق الفرد على مجتمعه بهذه الأمور أصبح حقاً طبيعياً ، كحقه في تنشق الهواء ، وشرب الماء .
وإذا اعترض معترض بأن هذا التدبير ، على مثاليته لا يتوفر للبلدان الفقيرة ، فهذا ما يعرضه علينا الدكتور وليد قحاوي في كتابه القيم ، الذي صدر حديثاً بعنوان « تنظيم النسل » .
بدأ المؤلف بعرض المشكلة ، فأظهرها أولاً مشكلة عالمية ، تناولها الاقتصادي العالمي مالتيس منذ أكثر من جيل ،
وأبدى تخوفه من ازدياد البشر إلى درجة أن الأرض لن تتسع لاستيعابهم أو تقديم التغذية لهم . وحث على الإقلاع عن الزواج قدر المستطاع ، لتخف وطأة خطر ازدياد النسل .
ولا يلبث المؤلف أن يعرض المشكلة في حقل العالم العربي فيستعرض النكبات التي توالت على هذا المجتمع ، من طبيعية ، جعلت معظم أرضه صحارى ، ثم نكبات داخلية ، كسوء استعمال الأراضي ، وانحصار العمران في جهات منعزلة أو شبه منعزلة بسبب صعوبة المواصلات ، وخارجية وأهمها الاستعمار الذي ربض على صدره عشرة قرون ، والهجرات المتتالية إلى بعض أراضيه فزحمتها بالسكان فوق ازدياد عدد السكان بالتناسل .
ثم بعد أن يستعرض هذا كله يسجل ، على ضوء الإحصاءات المصرية أن متوسط العمر للذكور إحدى وثلاثون سنة وللإناث
ستة وثلاثون ، وذلك عائد إلى سوء التغذية المتأتية عن الثالوث المرعب « الفقر ، والمرض ، والجهل » — هذا الثالوث الذي هو نتيجة مباشرة لما قدم من هذه النكبات .
ويتوصل المؤلف بعد ذلك إلى استعراض وضع الفرد في المجتمع العربي ، وهنا يتحول إلى مصور يلتقط صوراً تمر أمامه ، كل صورة تمثل طبقة من طبقات المجتمع ، فهذه امرأة زوجت وهي لم تتجاوز الثالثة عشرة ، وكتب عليها أن تحمل لتلد ، وتلد لتحمل ، إلى أن يتفضل الموت فيبتلعها ويخلصها من حياة كانت ترى في كل يوم من أيامها شقاء أشد من الموت . وذاك رجل يحسب مرتين جمعاً وطرحاً وضرباً عله يسد به جزءاً من عشرة من حاج أولاده العشرة . وهناك زوجة تضرع إلى الطبيب أن يخلصها من فلذة كبد هي الخامسة عشرة من مواليدها .
كثير من هذه الصور ، التي يقف الإنسان أمامها معتبراً . وأشقى ما فيها ، أن لا أحد يمكنه نكران الشقاء الذي تصوره فهي صور طبق الأصل عن حياة المجتمع البائس ، لا مغالاة فيها ولا تزويق ، فلا ينتهي القارئ إلى آخرها ، حتى ينتصب أمامه واضحاً الحل الذي قصد إليه المؤلف ، وهو عنوان كتابه « تنظيم النسل » بطريقة يصبح باستطاعة المجتمع أن يوازن بين عدد أفراده .
ويتساءل الدكتور قحاوي : « لمصلحة من اتفقت الشرائع والقوانين عند أناس اختلفت مواطنهم ومشاربهم وأهواؤهم وأهدافهم على معارضة تنظيم النسل ومحاربته ؟ » ويرد على هذا التساؤل بسرد أربع من هذه المصالح : المصلحة الفردية ومصدرها الأنانية والمباهاة واستعباد الأولاد ، والمصلحة العصبية ومنشؤها غريزة القطيع والخوف من كل عشيرة غير الأقربين ، والمصلحة الاقتصادية الخاطئة ، المبنية على مفاهيم وقيم ناقصة ، والمصلحة العدوانية وتقوم على إيجاد مشاكل تتطلب مجالاً حيوياً لحلها « وتبرر القيام بحروب عدوانية بربرية » .
وبعد أن يتوصل المؤلف إلى إقناع القارئ بمضار إطلاق النسل يعرض إلى تنظيمه كقضية عالمية فيقول :
« إن عقدة مشاكل العالم هي التباين المتزايد بين عدد البشر
