اعنف من ان يحترموا امرأة .. امرأة
بيضاء .. !!
هكذا قيل لها .. ولكنها اصرّت
وحققت انتصارها حين بلغت مع الحملة
عاصمة زنوبيا .
ولعل فروسيتها استهوت البدو
الشجعان فاثبتوا لها انهم على العكس
تماماً مما قيل عنهم فاستقبلوها استقبالاً
شائقاً برقصاتهم وطبولهم ، وذهبوا الى
ابعد من هذا اذ اوقفوها بين اعمدة قصر
عتيق وتوجوها ( ملكة على الشرق ) .
واستهوتها هذه الرومانطيكية فعاشت
باحساس مليكة الشرق الى آخر لحظة
من حياتها .
ولم تعد راغبة في العودة الى اوروبا .
فمضت وابتاعت اراضي في ( جون )
قرب صيدا وابتنت لنفسها قصراً هناك .
ويقال بان وكلاء الليدي السريين
كانوا يتلقون اوامرهم من هناك ..
اي نشاط كانت تزاوله هذه المرأة ؟
لا أحد يعلم ويقال بانها كانت كريمة ،
ذات شهامة ما قصدها قاصد وارتد
خائباً وانه في اوقات الازمات السياسية
كان مقرها ملجأ لافواج القاصدين ، حتى
ان ( الصدر الاعظم ) كان يحترم هذا
الملجأ رغم وقوفه على مواقفها العديدة التي
كانت تتحدى بها الامير بشير ومحمد علي
باشا والي مصر اذ اك ، ولقد قال الثاني
( اي محمد علي ) ان الليدي كانت
تسبب له من المتاعب ما كان يسببه
العصاة مجتمعين .
ولقد تردد على قصرها الزائرون من
كل مكان ( كان من بينهم شاعر فرنسا
لامارتين ) وظلت هكذا حتى جاء يوم
اغلقت فيه لاسباب غير معروفة ابوابها
دون الاوروبيين فصار هؤلاء يخترعون
عنها حكايات ما كان العرب الذين يرون
فيها قدّيسة ليقروهم عليها ..
ولكنها كانت غريبة الاطوار بلاشك
وكلما تقدمت بها السن تكاثرت
الحكايات عنها .
حكوا ان عرّافاً كان جنرالاً سابقاً
في جيش نابليون كان ضيفها دائماً .. وانها
ما كانت تبغض شيئاً قدر بغضها لنساء
الارساليات التبشيرية ...
وحين تقدم بها العمر كانت تنام
طيلة نهارها وتفرغ لضيفها ليلاً ..
تستقبلهم تحت ضوء النجوم .. فهي لا
تريدهم ان يروا خطوط الكهولة تغزو
وجهها .
وصفها مرة احد الاوروبيين وكان
قد قابلها في بيت احد مشايخ الدروز
فقال : « هي طويلة ، رشيقة القوام ،
تلبس ثوباً زعفراني اللون بخطوط حمراء
ذا صدرية مطرزة مثبتة عند العنق
بدبوس ذهبي . وانها مهيبة للغاية وهي
تحمل مبسم النارجيلة بيمينها وتلهو
بيسارها بحبات سبحة من الكهرمان .
ان منظرها يستدعي المهابة والطاعة
اكثر من المحبة » .
ولم يكن لها رغم نفوذها الكبير
ومعارفها العديدين اصدقاء .. وهناك
رواية تقول بانها كانت ذات علاقة غرامية
بشاب كان دونها قوة شخصية .. ولكن
من الثابت انها عاشت وحيدة قسماً
كبيراً من حياتها وانها عانت في اواخر
حياتها من اضطرابات مالية ، فقد كان
المظهر الاسطوري يكلفها الكثير .
وماتت وكان كل حظها هذا القبر
المتواضع الذي استراحت فيه رفاتها .
( البقية على الصفحة ٥٠ )

١٨
