
- هل طلب ان يراني ؟
سألت صهرها بصوت واهن مغلوب فأجابها آخذاً يدها الخشنة بين يديه : « نعم ، انه لا يريد طعاماً او شراباً ، فقط يريدك انت » ..
- « اذن غداً صباحاً نذهب سوياً » ...
فقبلتها ابنتها وقالت مغالبة دمعها : « أتريدين شيئاً ، فنجان شاي مثلاً ؟ فهمست شاردة : « كلا يا حبيبتي ، اريد ان اسهر قليلاً بجوار النافذة » ..
لماذا لا تجد دموعاً تغرق بعضاً من الالم ؟ لماذا لا تشهق وتنتحب ليزول شيء من كتل اليأس الجاثمة على قلبها ؟ انها بكت كثيراً ، اكثر مما يبكي الناس ، فجفت عيونها وجمدت ، عيونها التي رأت من اعاجيب الحياة كثيراً ومن رضاء الحظ الجميل قليلاً ... نعم ، ستذهب اليه في الصباح لتتحسس وجهه وترى هذا الغريب الذي يهتف باسمها منادياً ... انه غريب لانها لم تره منذ سنين ويهتف باسمها لانه ابنها .. وستذهب اليه لأن من يوصد في وجهه باب الحرية ويقف وراء القضبان مجرماً سارقاً لا يستطيع ان يذهب الى احد ... من يحبه يذهب اليه .. وهي تذهب لترى وجهه ولتعرف اذا كانت لا تزال تحبه ام لا ... كم مرة ومرة عادت الى الوراء تتذكر ... آمالها يوم كانوا ثلاثة ... ولدين وبنت - يوم كان زوجها يشاركها حق الحياة قوياً فتياً ، يوم كان يحوطها واياهم بذراعيه فتشعر بأنه امنع من حجارة البيت حماية واقوى من الايام ثباتاً .. انها تذكر ليلة وقفت واياه حاملة وليدتها « بسمة » عند اسرة الصبيين وقالت كالحالمة : ترى ماذا ينتظرهما من حظ ومستقبل ؟ كيف سيكونان رجالاً ؟ فضحك زوجها واخذ الطفلة من يديها قائلاً :
« وهذه الوردة ؟ هل ستملأ الدنيا اريحا وجمالاً ؟ ومن ذلك السعيد الحظ الذي سينعم بامتلاكها ؟
ما كان اضعف بصيرتها وهي تمد نظرها الى المستقبل وترى وسط الاحلام ما لا يُرى ! اوجدت وقتذاك حقيقة ، لفتها بالاحلام وغرتها بالمستقبل . فضحكت الايام هزءاً فاختفت الحقيقة وهوى اللفاف يبعثره الهواء !
لم تعرف كيف لهث لآخر مرة ولم تره عندما اطبق جفونه واسترخى جامداً بارداً .. حملوه اليها ظهراً جثة صامتة ملأتها رعباً وهولا .. فملأت البيت عربدة وراحت تجهش معولة مبحوحة : « ولكن كيف ؟ كيف مات ؟ خذوه انه ليس زوجي ، فزوجي كان حياً هذا الصباح ، لا ، لا اتركوني لأكله فهو ليس بميت .. ومضت تهذي والفجيعة تحرك لها لسانها بما كانت تقول .. وراحت يدها تفرك صدره محاولة بعث الحياة في قلبه الذي سكت فجأة خانقاً فيه الحياة ... ثم سكنت ورقدت الى جواره ملقية خدها الى خده محيطة عنقه بذراعها محدقة صامتة لا تستطيع حراكا ...
بعد ذلك كانت تقف فوق رؤوس اولادها لوحدها ، تحاول ان تثق بالامل من جديد وتشبثت باذياله لتحارب باذياله يأسها .. كانت تطلب قوة تدفعها الى الامام ، قوة تبعث في قلبها الدفء لتدفئ حياة اولادها .
ساعدها اخوها قليلاً وأخو زوجها كذلك بما ارسل لها من مبالغ قليلة متباعدة من المهجر . بعد ذلك كان عليها ان تعمل ، فراحت تخيط الثياب لأولاد الناس باجور بسيطة لا تجسر على رفعها لعدم درايتها التامة بالخياطة ، واحياناً تغسل وتكوي ثياباً للناس في بيتها لتربح اكثر مما تستطيع من الدراهم ... كانت تتعب احياناً كثيرة فتتمنى لو تستطيع ان تغض عيونها وتنام اياماً واياماً ناسية واقعها تاركة حاضرها مشيحة بوجهها عن المستقبل المخيف البعيد .. كم تمنت لو تستطيع ان تجلس يوماً بكامله ضمن البيت وحدها تطلق لنحيبها العنان ! فلا تغسل ولا تكوي بل تبكي لتبعد عنها الخوف الفاتك اللعين .. كلا ،
