لم تسترح ولا ساعة واحدة ، كانت دائماً
تعمل واولادها حولها يكبرون ...
وهبت من النافذة نسمة باردة
فاغلقت دفة من النافذة وفركت يديها
ثم عادت تسبر غور الظلام تتذكر ايام
كفاحها تلك ، ايام كان اولادها صغاراً ..
ايام كانوا حولها ثلاثة .
عاد الى ذكرها يوم كان لابنها
الاكبر من العمر عشر سنوات ، يوم
تسلق السور الصغير هابطاً الى حديقة
جارهم الطبيب الموسر ، لم تعر الامر
كبير اهتمام ولكن عندما سمعت صراخاً
ركضت الى الحديقة من الباب الكبير
لترى ما حصل ، فوجدت ابنها يقف
احمر الوجه براق العينين امام الطبيب
وولده الباكي وعند اقدامهم على الحشيش
الناعم قطار لعب مبعثر العربات ..
فنظرت الى الطبيب وولده ثم الى ولدها
متسائلة فصرخ الطبيب غاضباً « اراد ان
يسرق من ابني قطاره ، الا تعرفين
كيف تعلمينه الامانة والصدق؟ اخرجيه
من هنا قبل ان اضربه » ! فبلعت ريقها
ونظرت الى ابنها ببلع محتارة ، فضم
قبضتيه بعنف وازداد احمرار وجهه
وصرخ باكياً : « لم اسرق له قطاره وانما
اردت ان اساعده على تسييره ، لا اريد
ان ادخل هذه الحديقة القبيحة بعد اليوم
ولا ان ارى احداً منكما فأنا اكرهكما
واكره لعبكما وبيتكما » ... ثم انفلت
راكضاً فركضت وراءه خائفة ، وفي
البيت هزته وضربته مفهمة اياه بأن لا
يرفع صوته امام من هو اكبر منه سناً ،
فهرب الى زاوية الغرفة واخذ ينظر اليها
بعيون حائرة غير مصدق وهتف بصوت
مبحوح : « او تظنين اني اردت ان
اسرق له قطاره يا امي ؟ لقد اردت ان
امسّه فقط والعب به ! ليته يموت هو
وابنه ، اني لا آبه لها او لسيارتها او لما
يشتري لابنه من اشياء ولعب ! سأعمل
وسأشتري لك ولي ولاخوتي من الثياب
واللعب ما يملأ هذا البيت ، اني اكرهه
واكره اباه وامه وكل شيء !! فركعت
امامه آخذة رأسه بين ذراعيها وراحت
تبكي ، فأحاطها بذراعيه هامساً بحنان :
لا تبكي يا ماما ، سأعمل لاساعدك ،
سأشتري لك ثياباً اجمل من ثياب امه
وعندما اكبر لن ادعك تعملين وسأشتري
لنا بيتاً جميلاً اكبر من بيتهم » ..
لم يرن في اذنها صوت يحذرها وقتئذ
ولا بعد ان بدأ يعود اليها بدراهم واشياء،
فهذه قميص من بائع الثياب الذي يوصل
له ابنة الصغير معه الى المدرسة ، وعنقود
العنب او التفاح من بائع الفاكهة الذي
يعمل معه نصف ساعة بعد المدرسة ،
كانت تسكت متعجبة ويوماً هالها الامر
ووجدت نفسها تأبى ان يعطى ابنها
طعاماً وثياباً كشريد مسكين يعطف

