عليه بائعون طيبون حتى ولو عمل لهم،فطلبت اليه ان يذهب بها الى هذينالبائعين لتحدثها في امره، فارتبك وتلعثموقال انه سيحدثها بنفسه ويطلب اليهاان يعطياه اجراً معيناً فوافقت وبعدذلك كان يأتي لها بدراهم فتعطيه قسمانهاوتخبيء له الباقي في صندوق صغير.
رباه كيف كانت تمشي وقتذاك مفتوحة البصر مغمضة البصيرة! كانت تعمل وتحوط اولادها بجناحيها ناظرة الى وجوههم تستشف منهم نوايا المستقبل! «بسام» يقارب الشباب ويعينها، «حبيب» يقارب العاشرة فيحيي فيها الامل، «بسمة» في الثامنة تتفتح وتكبر فتملأها اقتناعاً! ما كان ابعدها عن الحقيقة، ما كان اعماها وهي تخبيء تلك الدراهم المحرمة في الصندوق وتبكي لوجودها فرحاً وافتخاراً... أنّى كان لها ان تعرف ان يد ابنها التي كانت تحوط عنقها ليلاً وترتجف حناناً، تنضم الى ايدي الاشقياء نهاراً وتمتد الى اشياء محرمة فتسرقها ثابتة جامدة! نعم كانوا ثلاثة وكان الكبير ملاكاً حتى ذلك اليوم، يوم الربيع الاخضر البديع! كان يوم احد وكانت تنشر الغسيل صباحاً واولادها حولها يلعبون، وفجأة هب بسام قائلاً انه يريد شراء شيء من البوظة لهم، فوقف حبيب طالباً مرافقته فرفض اخوه وخرج راكضاً فلحق به حبيب منادياً اياه ان يقف وصرخت هي فيه ان لا يلحق باخيه وبعد ذلك سمعت صراخ بسّام، فتركت ما بيدها وعدت الى الشارع فوجدت حبيباً ملقى على الارض امام سيارة برّاقة مشقوق الراس مصبوغ الوجه... ثلاث ساعات فقط
انتظرت في المستشفى وبعد ذلك سمحوا لها ان تحوطه بذراعيها وتلقي بخدّها على خدّه جامدة محدقة لا تستطيع حراكاً.. ألقوا بيدها مالاً دفعه صاحب السيارة الثري. فأخذته غير شاعرة بأنها تأخذ شيئاً، لم تكن ترى سوى رأس ولدها المشقوق وشعره المصبوغ بلون احمر
كلون الورد... واذ عادت الى رشدها قليلاً وتذكرت ولدها وابنتها صرخت ملتاعة: «تعالا اليّ يا حبيبيّ، تعالا الى حضني».. فارتمت ابنتها على صدرها ووقف بسّام امامها بوجه جامد النظرات غريب الملامح وقال:

