« لقد رأيته يا امي ، رأيته وهو
يقتل أخي ! كان يشعل سيجارته فلم
يوقف السيارة الا بعد ان قتله ! سأقتله
يوماً بيدي هذه ، سأقتله واشقّ له رأسه ،
انه ثري جبّار يقتل بريئاً ويمضي حراً
وكأنه لم يزهق روح احد ! اني اكرهه
واكره كل هؤلاء الاغنياء الذين
يأكلون ويضحكون ويشترون ما
يريدون حتى جرائمهم ! سألحق بكلهم
الاذى ، سأرى في كل واحد منهم قاتل
اخي ! اني لا اشعر بالعار عندما اسرق
مالهم فاخذُ مالهم حلال ! سأظل اسرق
من جيوبهم وابصق في وجوههم فتباً لهم !»
ترنّحت فتشبثت بالكرسي وهي تحس
بنفسها تهوي الى قعر عميق أسود ، انعقد
لسانها وحدّقت فيه ثم في الباب بعد ان
اختفى منه راكضاً ! « ولدي » صرخت
روحها ، واحسّت بجوارحها تهب لتلحق
به الى الشارع ، لتضمه اليها وتتكلم اليه
مذكرة اياه بالخير والشر بالخطأ
والصواب ! لكنها بقيت مكانها تعض
على شفتيها وتمسح دموع ابنتها الحائقة
الباكية .. كيف اصبح ابنها هكذا ؟
لماذا تكلم هكذا ؟ سألت نفسها بحرقة
وألم ! أكانت عمياء لا ترى من يرافق
وكيف يعيش؟ انها تذكر رفيقاً له اتى
معه به الى البيت فارتاعت منه وطلبت
اليه ان لا يرافقه ومن يشابهه اطلاقاً ،
فوعد بذلك فلم ترَ ذلك الرفيق مرة اخرى
واطمأنت .. لقد اطمأنت الى امور
واهية كثيرة ، كتعليله للثياب والفاكهة
مثلاً ، كالكلب الذي اتى به مرة معه
قائلاً انه كلب شريد ، كان يجب ان
تعرف من صوفه الابيض النظيف انه
كلب نعمة ودلال سرقه ابنها من اصحابه
الموسرين ! رباه ! كم قطع الحزن قلبها
ذلك النهار وهي تصرخ « ولدي » كم
احست به يكاد يقف عن الحركة لضغط
اليأس عليه ! بكت حبيباً وبكت بساماً
اكثر إذ عرفت انها من حيث لم تدر
قتلت فيه النبل والصدق والامانة وانه
سيصبح حياً ميتاً تبكي ضياعه كل يوم !
اخذت يد الله بيدها ، وعادت
السنون تكرّ وابنها يزداد عناداً
وصلابة ، كان يبتعد عنها شيئاً فشيئاً الى
عالم خاص به مقدس عنده لم يدعها
لـ تتخطي حدوده لتحاول اخراجه منه !
ومرة مرضت ، فاسرع ليستدعي الطبيب
ويشتري الدواء . فقبضت على يده بشدة
وقالت بجزم : « الموت افضل عندي
من شرب دواء تشتريه بمالك المسروق !
خذ من مالي هذا فهو مال حلال » ..
فعض على شفته واشاح بوجهه وهو يأخذ
الدراهم منها .. بعد ذلك بدأ يتغيّب عن
البيت اياماً واحياناً اسابيع ، وعندما
يعود يقف بالباب كالسائل المريض
فتحدّق فيه ولا ترى وجهه بل وجه

٢٣
