طفل أحاط عنقها مرة بذراعه وهمس لها باكياً : « سأشتري لك ثياباً ولنا بيتاً جميلاً فتحار الدموع في عيونها وتقول : « أدخل يا ولدي ، طعامك ينتظرك » فيدخل لاهثاً ، ويركع أمامها مقبلاً يدها ، فتمر بيدها على شعره تريد الوصول إليه والاحتكاك بجلجات نفسه ، فيتصلب ثم يقوم إلى طعامه يأكله بصمت .
ودق الباب مرة بعد منتصف الليل ، فقامت إلى الباب تفتحه خائفة ، وعندما رأته يقف أمامها مشعث الشعر أصفر الوجه ، فتحت له الطريق فدخل متقدماً إلى الماء ليغسل يديه . عندئذ رأت البقع الحمراء الكريهة على يديه وقميصه ، فترنحت ورفعت يدها في الهواء تحاول إبعاد شبح مخيف عنها ، ثم ركضت إليه تهزه صارخة :
« أخرج من هنا أخرج ! لا تدعني أرى وجهك مرة أخرى ! لقد أصبحت قاتلاً فأخرج من بيتي » ..
وانطرحت بعد انفلاته ، تئن وتهتف لربها :
« سامحني يا إلهي وخذ بيده أنت ، لا تدعهم يجدونه واهده إلى الصواب » ..
لم تره بعد ذلك ولم تسمع عنه شيئاً ، كانت تصلي من أجله دوماً وتبكي ضياعه ، ذلك الحي الميت ، كل يوم ! كانت تمد إليه يديها متوسلة في طوايا الليل هاتفة سائلة :
« لماذا يا بني ؟ لماذا أصبحت شريداً لا أم ولا أب لك ؟ لماذا بعت روحك للشيطان ؟ »
بعد ذلك مرت الأيام متشابهة متلاحقة ولم تشعر إلا وابنتها تصبح شابة جميلة ،
ابنتها الحبيبة ثالثة الثلاثة وما بقي لها من أولادها !
قنعت بالحياة معها تحت سقف آمن مكتفية بالخياطة تساعدها ابنتها ..
بعد ذلك خص الحظ الجميل ابنتها بعطفه ، فتزوجت من شاب وديع خلوق أعزّها وأجلّها وأصر على أن تسكن معهم لتؤنسهم ولترعى أحفادها في المستقبل ، فسكنت معهم وقنعت بالسقف الآمن فوق رؤوسهم ، إلى أن كان هذا المساء عندما علمت بأن ابنها سجين يطلبها ..
وقفت خلف القضبان تنظر إليه ، إلى هذا الغريب المسكين ! إنها تحبه وتتمنى لو تزول القضبان لتريح جسده المتعب على صدرها وحضنها وتدعه يلقي برأسه على كتفها ! هذا المجرم السارق الذي وقفت عند سريره مع أبيه مرة تتخيله رجلاً كبيراً شهيراً ...
تفرّس في وجهها وشد على يديها هامساً باختناق :
« أمي إني تعب وأريد رضاك فقط .. »
فرفعت يديه إلى شفتيها وبكت : « إني رضيت يا بني فاطلب رضاء الله ! »
فرقص النور في عينيه وشد نفسه منتصباً وقال :
سأحمل عقابي يا أمي ولكن على أن تسمحي لي بالعودة إليك لأعمل وأقدم لك مالاً .. مالاً حلالاً ... كنت أسرق لأعطيك ولأرضي نفسي العطشى الجائعة لكل ما كنت محروماً منه ، كنت أكرههم هؤلاء الأغنياء يا أمي ، وكرهتهم بعد أن قتل واحد منهم أخي أكثر .. سامحيني يا أمي ... »
فنظرت إليه طويلاً وقالت بهدوء : « سأنتظر رجوعك يا ولدي سليماً صحيحاً ، وسأكون حيث تكون ، آكل من مالك الحلال » !! ..
فضحك وظل يبتسم حتى اختفت ...
لم تحس بتعب المشي وودت لو تستطيع أن تعانق الدنيا بأجمعها !
وقالت لصهرها وكأنها تحدث نفسها :
« كانوا ثلاثة .. ثم أصبحوا واحدة ! والآن عادوا .. ثلاثة !

