
حظيت شعوب الشرق القديمة بعدد من النساء اللواتي حكمن البلاد حكماً مباشراً،
وخلّدن أعمالهن وأخبارهن من خلال تواريخ هذه الشعوب. وبالرغم من عناية كتاب
التاريخ وطلابه بتتبع أخبار الشهيرات منهن، لا يزال أمر علاقة الملكة الواحدة منهن
مع الأخرى، وأمر مدى تأثرهن بعضهن ببعض، أمراً مهملاً نادر الدراسات.
وسأحاول في هذا المقال دراسة العلاقات التي قامت بين اثنتين من ملكات الشرق
الشهيرات، اللتين كوّنت حياتهما جزءً مهماً من تاريخ بلادنا السياسي والحضاري -
وهما كليوباترا المصرية وزنوبيا السورية. وقد يكون في حياة هاتين المرأتين، بالرغم
من أنهما لم تعيشا في زمن واحد، ولا حكمتا بلداً واحداً، تقارب وتجانس قلّ
أن نجدهما بين نساء البيئة والعصر الواحد.
عاشت أولى هاتين الملكتين
في مصر، في القرن الأول قبيل
الميلاد. وكانت من عائلة البطالسة،
اليونانيّي الأصل، الذين جلسوا
على عرش أرض النيل منذ أوائل
القرن الثالث ق. م. أما زنوبيا
فكانت من نساء القرن الثالث
للميلاد، في مدينة تدمر، المركز
الحصين المشرف على خط المواصلات
الوحيد بين ما بين النهرين وسورية
المجوفة، عبر بادية الشام. وكانت زوجة
لاودناثوس سبتموس، ملك تدمر
وشمالي سورية.
وكانت المرأتان طموحتين، ذوات
أهداف شخصية ومطامع كثيرة.
وكانتا أيضاً قويتين، تملكان من الوسائل
ما يفسح لها مجال تحقيق أمانيتهما. ومن
هذا الطموح وهذه القوة انطلقت
الملكتان في سكب تاريخها بقالبين
فريدين - وهو انطلاق تجلّى فيه أثر
كليوباترا على زنوبيا بوضوح ودقة.
لقد ارتقت كليوباترا عرش مصر
وهي في سن السابعة عشرة. واشترك
معها في الحكم بطلموس ديونيسوس،
أخوها وزوجها. ولكن كليوباترا لم
تقنع بنصف العرش، وأرادت لتاج
مصر رأساً واحداً. لذلك دعت يوليوس
قيصر، صديقها، لمحاربة أخيها. ولما
قتل بطلموس أصرّ الشعب على تعيين
أخيه الأصغر خلفاً له، وشريكاً
لكليوباترا. الا ان كليوباترا ضجّت
بروابط الأخوة مرة أخرى، وقتلت
أخاها بأن وضعت له السمّ في طعامه.
وتيسّر لها بذلك أن تحكم مصر دون
منافس - وهو حكم لا بد منه، كخطوة
أولى، لتحقيق مآربها.
أما زنوبيا فبالرغم من أنها لم تكن
في قسوة كليوباترا واستهتارها بالقرابة
والمحبّة، الا أنها سعت هي الأخرى
للانفراد بالملك والتخلص من زوجها،
شريكها في قصرها. وكان زوجها
ملكاً مشهوراً ومحبوباً، وصلت هيبته
بلاد الفرس شرقاً وأمبراطورية الرومان
غرباً. فحملها حب الاستئثار بالحكم
لأن تساهم في مؤامرة دبرها أحد أمراء
تدمر، لقتل أودناثوس وابنه الوريث
للعرش؛ ولأن تساهم، فيما بعد، في
قتال ذلك الأمير الطموح والخلاص منه!
وكان على كليوباترا، بعد أن تخلصت
من منافسيها، أن تستند إلى معونة
خارجية تضمن بها بقاء سلطانها وتوسيعه
على حساب جيران مصر. وأدركت
زنوبيا الشيء نفسه، حين رأت
بثاقب نظرها أن أي توسيع
لمملكة تدمر يجب أن يدعم بمساندة
قوية خارجية. وكان الرومان هم
الشعب الذي اعتمدت عليه
الملكتان من أجل نيل هذه الضمانة
التي كانتا ينشدانها.
الا ان الملكتين اختلفتا في
وسائل تحقيق الصداقة مع الرومان،
وان لم تختلفا في أسباب هذه الصداقة،
ولا في نتائجها. فقد اعتمدت كليوباترا،
في ذلك، على أنوثة جسمها، بينما اعتمدت
زنوبيا على رجولة طبعها.
كانت كليوباترا على جانب كبير من
الجمال الممزوج بالجاذبية والاغراء.
وعاشت في زمان ومكان قدّسا الجمال،
واباحا المحرمات في سبيله. لذلك لم تجد
كليوباترا ما يحول بينها وبين تحقيق
مطامعها الشخصية بواسطة الانوثة
الصارخة التي كانت لها، وبواسطة منح
هذه الانوثة للرجل الذي يمكن أن
يوصلها إلى مآربها. فسأكنت يوليوس
قيصر في روما مدة طويلة. ولما مات
تزوجت خليفته، أنطونيوس، وأنجبت
له أبناء ثلاثة. ثم تودّدت إلى أكتافيوس،
الذي قتل أنطونيوس وخلفه في زعامة
٢٩
