العالم القديم، وحاولت إيقاعه في شباك
حبها. إلا أنه أعرض عنها، لإدراكه
مدى ابتذال حبها.
غير أن زنوبيا أعرضت عن استعمال
جمالها وأنوثتها في سبيل تنفيذ رغباتها
السياسية. وقد يرجع ذلك إلى متانة
أخلاقها وحسن تربيتها، وسيطرة
تقاليد تدمر وتمسك أهلها بالقيم العليا على
نفسية زنوبيا. وكانت تلك الملكة تخضع
أيضاً لتأثيرات المطران بولس السميساطي،
في أنطاكية، والفيلسوف لونجينوس،
في تدمر - وهما رجلان دعيا إلى
التمسك بالفضيلة والأخلاق. هذا إلى
جانب تأثر زنوبيا ببعض مدارس الفكر
النصرانية والعبرية.
مقابل هذا الإعراض عن اعتماد
الجمال طريقاً إلى المجد السياسي، استمدت
زنوبيا من رجولة تفكيرها ونفسيتها
- أي من خشونة طبعها، وشجاعة قلبها،
وبأس عزمها - قوة مكنتها من إقناع
زوجها بمحاربة الفرس من أجل كسب
ودّ الرومان. ثم شاركت زوجها في
حروبه تلك، وأمّنت لمدينتها رضى
امبراطور الرومان، الذي أعلن زوجها
ملكاً على سورية. وظلّت علاقاتها
حسنة مع الرومان حتى إلى ما بعد
انفرادها بالحكم. ولما قام جيشها بفتح
مصر ادّعت أنها إنما تقوم بذلك من أجل
إرجاع أرض النيل للسيطرة الرومانية
التي كادت تزول!
والتجأت الملكتان أيضاً إلى سلاح
آخر يسهّل عليهما نيل ما كانا يسعيان
إليه. وكان ذلك السلاح في ادعائها
بحقيهما فيما يطلبان، حقاً وريثاً شرعياً.
فقد كان المطلب الأساسي لكليوباترا،
بعد أن ضمنت عرش مصر لنفسها،
احتلال بعض المقاطعات القريبة من مصر،
والمتصلة معها اتصالاً تاريخياً وسياسياً
وجغرافياً واقتصادياً - وفي مقدمتها
دويلات سورية، مثل اليهودية والأردن
وسواحل فينيقية وسورية المجوّفة. أما
زنوبيا فكان مطلبها الأساسي أيضاً،
بعد أن ضمنت هي الأخرى عرشاً لا
يشاركها فيه إلا ابنها الطفل، أن
تستولي على أرض النيل وتملك خيراتها.
وكما عثرت كليوباترا على حجة تدعم
بها مطالبتها بأرض سورية وجدت
زنوبيا حجة مماثلة. فقد ذكرت كليوباترا
أصدقاءها الرومان بأنها من أصل سوري،
وأنها تنتسب إلى كليوباترا الأولى،
ابنة أنطيوخس كبير السلوقيين السوريين،
التي تزوجت من بطلموس إبيفانوس
الخامس وادّعت أن المقاطعات السورية
كانت من نصيب جدّتها، وأن من حقها
الاستيلاء عليها واستثمارها. ولجأت
زنوبيا إلى الإدعاء ذاته. فأشاعت بين
الناس أنها من حفيدات كليوباترا، وأنها
الوريثة الوحيدة للعرش البطلمي الذي
كان يسيطر على مصر. ورشّحت ابنها،
الطفل، عاهلاً لذلك العرش، كوارث
شرعي للسلالة البطلمية!
ولكي تعوّض الملكتان عن هذا

٣٠
