الانتساب الدموي الى اسر ليست من
صميم الشعبين اللذين كانتا تحكمانها ،
لجأت كل منها الى وسائل مماثلة تمكنها
من نيل محبة الشعب ورضاه ، ومعاضدته
لها في مشاريعها التوسعية . من اجل
هذا شجعت كليوباترا الحركات الفكرية
والادبية في مدينة الاسكندرية ،
واحسنت الى كبار علماء العصر ،
وفي مقدمتهم بوئيسوس الرياضي
وديسكوريوس الطبيب وسوسيجنس
الفلكي . وقامت ببناء عدد من
المكتبات والشوارع والملاعب والقصور .
وتقفت نفسها على ايدي عدد من العلماء ،
واشاعت في البلاد جواً علمياً ممتازاً .
وجرت زنوبيا على منوالها ، فساهمت في
بناء النهضة العلمية في سورية الشمالية ،
وشجعت الادباء والمفكرين واجزلت
لهم العطاء ، وقربت اليها الفلاسفة
والحكماء ، وربت اولادها في كنف
اساتذة مشهورين ، وامرت ببناء الاقنية
والقناطر والجسور والطرق ، وتزيين
العاصمة بالاثار والانصاب . واتقنت
زنوبيا ايضاً عدة لغات ، ومنها اليونانية
والارامية واللاتينية والمصرية .
وتقربت الملكتان ايضاً الى شعبي
سورية ومصر من خلال صفاتها الشخصية
المشهورتين بها . فقد اعجب السوريون
بشجاعة زنوبيا واشتراكها في المعارك
او بهيبة مظهرها وشغفها بالصيد
والفروسية ، وبقوة جسمها وصلابة
اعضائها ؛ مثلما اعجب المصريون بانوثة
كليوباترا ونعومة مظهرها ورقة تكوينها
وتدل تصرفاتها .
واستطاعت هاتان المرأتان ، بتحببها
الى الشعب وتقريبها منه ، كسب وده
وضمان مساعدته . فثار الشعب في تدمر
ضد الرومان لما اسروا ملكته ، وايد
اهل الاسكندرية ملكتهم في معظم
ايامها .
الا ان التاريخ الذي استعبد زنوبيا ،
مثلما استعبد كليوباترا من قبل ، وجعلها
تتبع خطوات كليوباترا من خلال
اخباره وحوادثه ، ابى الا ان يهزأ
بزنوبيا مثلما هزأ بكليوباترا نفسها ، وان
تختم حياة الملكتين بنهاية واحدة .
فالدولة نفسها التي قهرت كليوباترا قهرت
زنوبيا . وتبددت احلام الواحدة منها
كالاخرى . وزال عرش الاولى في
بلادها وفي ممتلكاتها السورية ، وسقط
حق الثانية من تدمر ومن مصر . وكما
ثار سكان سورية على كليوباترا ، وتآمروا
عليها وعصوها ، ثار المصريون على جيش
زنوبيا وطردوا افراده .
وهكذا اسدل التاريخ ستاراً واحداً
على كلا المأساتين . وقد ظهرت كليوباترا
في المأساة الاولى ممددة على الارض تحت
رحمة ثعبان كبير يلعق دمها ؛ وظهرت
زنوبيا ، في ختام المأساة الثانية ، تسير
بذل وامتهان الى روما ، والقيد في
يديها ورجليها .
انيس صايغ

