لما كنت في الجامعة ، في ولاية آيوا ، كنت الاحظ في مظهر غرفتي ونوع معيشتي نقصاً منشأه اني لم أحسن الاستفادة من جميع المخترعات الحديثة التي تملأ البيوت الاميركية . لكني لم أشعر كثيراً بتأثير هذا النقص حتى تزوجت اميركياً واخذت اتعاطى اعمال البيت من طبخ وما اليه . اذكر أني سألت زوجي بعد اقتراننا بقليل ماذا يريد لفطوره . وبعد تفكير طويل اهتدى إلى اسهل شيء في رأيه وقال : « البيض مع الباكون » لكني ما كنت اعرف كيف اطبخ هذا اللون من الطعام فلا عجب اذا استغرب وقال : هل عشت في الصحراء طول حياتك ؟
اذا سُمِّيت اميركا بلاد الدولار فمن الحق ان نسميها ايضاً بلاد العُلب والمفاتيح . ولا ابالغ اذا نوهت بعظم المكانة التي يحتلها في هذه الديار مفتاح علب الطعام لأن حياة السيدة الاميركية تدور على دورانه وهو الذي يرشدها إلى اسرع طريقة لتحضير الطعام اللذيذ المغذّي .
بالإضافة إلى السرعة اللازمة في تعلّم استعمال الآلات للغسل والكنس والطبخ ، نرى ضرورة السرعة في كل شيء . فالناس هنا يكادون لا يعرفون المشي لأن أكثرهم يركضون . يركضون إما من البيت إلى السيارة او من القطار إلى التاكسي . وتتبدّى هذه السرعة حتى في الكلام فلا ترى أي اثر لاصطلاحات المجاملة والملاطفة الزائدة المنتشرة في اقطارنا الشرقية . هنا يقولون « كيف انت » او « هالو » وكفى . بعكس تقاليدنا التي تسمح بترديد « كيف حالك وكيف حال ابيك واولادك وامك واخوتك انشاء الله بخير ... » انا لا اعني ان يكون الانسان فظاً غليظاً لكني اشير إلى خطأ استعمال العبارات التقليدية المضيعة للوقت والتي لا تنم عن شعور صحيح ...
من نتائج الحياة المتطورة عندهم اختفاء الزيارات والاستقبالات وتقريباً كل مظاهر الحياة الاجتماعية بين الأسر الا ما تقوم به الكنائس وما يتبعها او ما تقدمه المحلات العامة
لكن هدف هذه الأخيرة هو الاستفادة المالية وليس الحياة الاجتماعية . فقد تعيش على مسافة رمية حجر من جيرانك لمدة سنوات ولا تعرف عنهم شيئاً حتى اسماهم . وتؤدي السرعة والرغبة في توفير الوقت إلى الصراحة في القول ونبذ المداورة والتطويل والاشكال وازدواج المعنى . من عاداتنا الشرقية ان ندعو زائرنا إلى الطعام اذا حان وقت الاكل او اذا حدثت الزيارة وقت جلوسنا إلى المائدة . وقد يكون هذا الزائر جائعاً راغباً في الاكل ومع هذا فالذوق الاجتماعي يُملي عليه ان يرفض دعوة المضيف حتى يكرر هذا دعوته عدة مرار ويؤكد لصاحبه انه يعني ما يقول . وتفسير هذا الإلحاح في رأيي ان بلاد الشرق قد خبرت في تاريخها الجوع والحرمان الذي ترك اثره في عادات البلاد . فالزائر يجب ان يرفض الدعوة في الأول ليتأكد انه لا ينتزع اللقمة من فم اولاد المضيف . اما في هذه البلاد فلا يحتاج الناس إلى مجاملات من هذا النوع لأن الصيدليات المعدّة لتقديم الساندوتش والقهوة والمرطبات كثيرة وقريبة من الكل . واذا دُعي الواحد إلى مائدة الطعام قال نعم او لا غير كاذب . واذا قال « اشكرك لا اريد » مع انه جائع ، فيا ويله لأن الدعوة لا تعاد !!!
هناك اختلاف آخر بين عقليتنا وعقليتهم . هو اننا في الشرق الأوسط نحترم الشيوخ لمجرد سنّهم . بينما هنا يُعد الاحترام تقديراً للاعمال والجهود التي يقوم بها الانسان بغض النظر عن عمره . وهنا لا نرى شيوخاً لأن الكل يشتغلون ، الشباب والشيوخ ؛ حتى الأطفال يعوّدون ان يقوموا بواجب يلائم طاقتهم . فاذا رأيت ولداً صغيراً قلت له « هالو » واذا رأيت شيخاً مسناً قلت له هالو ايضاً بنفس اللهجة وبنفس الدرجة من الاحترام . والفرق الوحيد بين الشيخ والطفل هو ان الأول قد أدّى واجبه ويؤديه الان ، بينما الثاني قد شرع بتأديته او يستعد لها . فالحياة هنا ليست مراحل متقطعة بل سلسلة
