من الفنانين الذين ساقوا إلى الخلود عدداً من النسوة الهائمات بالحب ، عبقري ألمانيا ، الشاعر العظيم ، غوتي ! غوتي ، أو « الومضة الخاطفة التي تصل الأزل بالأبد في حالة الخلق الفني ، أو قل الفكر الإنساني نفسه ، لا تفصيل فيه ولا تجزئة ! »
أدرك غوتي ، كما لا يدرك غيره ، إن الحب إنما هو وحده قانون الأخلاق ولا قانون سواه ، على ما في طبيعة هذه العاطفة من بوهيمية ، ومن إيثار الفوضى على كل نظام . وإليك خبراً من أخبار هذا العبقري ساعة خفق قلبه الخفقة الأولى .
كان غوتي في الرابعة عشرة من عمره آنذاك . ولم تكن نجوى الأنوثة قد سُكبت في نفسه لتجول بكيانه غناءً وشعراً ، فيدرك ما يوهج الشمس بالحرارة ، وما يحرّك الموج ، وما يبعث الأنين في الساقية والحلم في الوردة الحمراء !
يقول غوتي في ذلك العهد ما معناه :
« إن رؤية الممثلات الفرنسيات ، وهن يخلعن ثيابهن في خفايا المسرح ، لم تكن لتثير في نفسي أي شعور غريب في ذلك الحين ، بل كنت أخال المشهد عادياً خالصاً . »
وترامى إلى حَسِّه عبقٌ خفيف ... أطلّ معه على أول الربيع ، فخفق قلبه الخفقة الأولى .
كان هذا العبق أنفاس صبية في عمر الفجر !
ولكن ، من تكون هذه التي بعثت في قلبه حباً صبويّاً وعميقاً في آن واحد ! حباً اضطربت به نفسه وكان مع ذلك هناءه الدائم في صباه ، وجمال ما يملك على الأرض ؟!
إن اسم « غريتشن » يتردّد أبداً في المأثرة الخالدة « فاوست » وبالرغم من الصفة التأليفية التي نلقاها في شخصيات هذا السفر العظيم ، والتي يغذيها غوتي بصور الكثيرات من اللواتي أحبهن في ماضيه ، فليس هنالك ما يجحد الشبه التام الكائن بين بطلة أعظم دراما وفتاة فرانكفورت الوديعة التي أوحت لشاعرنا عاطفته الأولى !
انخرط غوتي ، صدفة ، وهو في الرابعة عشرة من عمره ، في نادٍ تجاري صناعي يضم حشداً من شباب فرانكفورت الأثرياء . أما هؤلاء ، فلم تجمع غوتي بهم إلا الصدفة كما ذكرنا . فهم أناس عاديون فارغون أقاموا ناديهم هذا لبعض المصالح التجارية ، وهو من هو !!
وكان بين هؤلاء شاب معجب بنفسه على قلة حظه من الذكاء . وإذ علق فتاة رائعة الحسن من فتيات فرانكفورت ، شاء رفاقه أن يعبثوا بهواه و « يتسلوا على حسابه » ، فطلبوا إلى غوتي أن ينظم أبياتاً من الشعر الغرامي ينسبها إلى هذه الفتاة متغزّلةً « بمعشوقها » الأغر !! ففعل . فما كاد صاحبنا يتلقى هذه الأبيات التي يبثه بها غوتي « عواطف » الفتاة نحوه .. حتى ازداد زهواً وإعجاباً بنفسه . ولكنه قاصر الفكر ناضب الشعور ، فكيف له أن يجيب عن هذه الأبيات بمثلها ؟ وتدخّل غوتي .. وأعلن له أنه في « خدمته .. » وإذا بالعاطفة نفسها التي تحيي أبيات الحسناء تحيي أيضاً جواب « العاشق .. » فقريحة غوتي لا يعوقها من اختلاف الجنسين أمر !
في أثناء هذه المداعبات ، تعرف « غوتي » إلى الكائن الذي سينقلب به من الهزل إلى الجد ... لقد دخلت المرأة في حياته .


