الاجتماعية المصطنعة التي تباعدها عن الناس الاثرياء ، فيبدو أثر هذا الشعور في حديثها الى من تود . فهي إما خاطبت « غوتي » آنذاك ، ردّدت عليه هذه العبارة : « ... انا ، من لا اكون الا ابنة فقيرة !
اما هذا الفارق الاجتماعي بينها وبين « غوتي » الفتى فلم يكن الا ظلاً من ظلال الجريمة ومظهراً من مظاهر سخف الناس ، في نظر الشاعر ، العاشق ، الصغير .
★
وبات « غوتي » يحسّ بامواج حارة ، ناعمة ، تفيض عليه وتغمر كيانه وتلهب قواه المبدعة . وغدا شعره ينطلق من القلب انطلاقاً صريحاً . لقد تفتحت في نفسه الينابيع العميقة ، فاذا به يتفجر غناء يعيش ما عاش الدهر !
وفي ذات يوم ، فيما كان « غوتي » جالساً الى طاولة في منزل « غريتشن » الريفي ، مسكاً بيده قلماً يخط به رسالة بلسان فتاة مزعومة تخاطب حبيباً لها مزعوماً ، ألقت « غريتشن » نول التطريز من يديها على حافة النافذة ، واقبلت نحو الشاعر الفتى ، واقتربت منه ، واطلقت له عهداً ما كان اوقعه في قلبه ، وما كان اسماه ! ثم أبدت له ان مثل هذا اللهو غير جدير بنابغة مثله . يقول « غوتي » ما موجزه :
« ... وجذبت اليها قصاصة الورق التي كتبتُ عليها الرسالة الغرامية . وأخذت تقرأها بصوت ذي غنة حلوة ساحرة . ثم قالت :
« ـ انها لرائعة هذه الرسالة ! ولكن
أية خسارة هي ألاّ تسيرَ هذه العاطفة في طريق أفضل ، أي في طريق طبيعية ... فتعبّر عن مكنونات نفسك انت ... ولا تتسلى بتمثيل دور العاشق فتكتب رسائل الغرام بلسانه ؟ ! » فأجبت قائلاً :
« ـ هذا ما ارجوه من اعماق نفسي ! » وتابعت غريتشن تقول :
« ـ ولتحقيق ذلك امكانيات عديدة » فقلت : ـ « لو جاءك ، مثلاً ، شابٌ يعرفك ، ويحترمك ، ويعبدك ، والقى بين يديك رسالة كهذه ، راجياً اياك بكل قلبه ان توقعي اسمك في خاتمتها ، فماذا تفعلين ؟ »
« واقتربتُ منها بالورقة التي كانت قد القتها الى جانبي ، فاشرق وجهها ، وابتسمت ، وفكرت قليلاً ، ثم تناولت القلم ووقعت به اسمها . فلم أعد لأملك نفسي من طغيان النشوة .. فطفرت عالياً في الهواء ، ثم هممت بتقبيلها ، فقالت اذ ذاك بأناقة وعذوبة عجيبتين :
ـ « لا حاجة بنا للقبل الآن ... بل للحب اذا امكن الحب ! »
« وسرعان ما تناولت الرسالة ودسستها في جيبي وقلت لغريتشن :
« ـ لن يرى مخلوق على الارض هذه الرسالة بعد اليوم . لقد نجوت بي مما يعذب نفسي ! » فقالت ، وهي تنظر الي نظرة الحنان والحب والصدق معاً :
« ـ اذن ، عليك ان تسير حتى النهاية في هذه الطريق ، طريق النجاة التي تعني ! »
« ولم يعد باستطاعتي ان ابتعد عنها ذلك الحين . غير انها رجتني في ذلك بنعومة ولطف لا اعرف لها مثيلا ،
وهي تضغط على يدي اليمنى بكلتا يديها . ثم اسرعت في التواري عن عيني ! اني لم احس ، طوال حياتي ، اضطرابا كذلك الاضطراب الذي ألمّ بي عند ذاك ! » .
ثم يتابع الشاعر العظيم قائلاً :
ـ « ان حبي لهذه الفتاة كشف لنفسي عالماً جديداً من الجمال والخير اذ ذاك . وانصببت على هذه الرسالة اقرأها . واعدت قراءتها مئة مرة وانا اتأمل في توقيع « غريتشن » وأقبّله ، واحسّ ذواق اعترافها الحبيب ! »
هكذا خفق قلب « غوتي » الخفقة الاولى ، وهكذا ادرك لأول مرة ان الطريق الى الجمال ، والى الخلق العظيم ، انما هو الحب ، الحب وحده !

