قال لها بصوته المتهدج المبهور : ما هذا ؟ ماذا أرى ؟ ولمَ هذا الانطواء القلق الذي انت عليه ؟.. عيون باكية ، ونفس حائرة ، وجسد تمالك كأنه يغص بالأوجاع والآلام ، وشرود كسل ملول . وهذه الورقة التي بيدك ؟. الله ، ما هذه ؟ بطاقة ؟ بطاقة صورة ! علمت انها صورة ذلك المأفون ابن عمك !! وويحك ، هاتها ، أنا متأكد انها هي أليس كذلك ؟ أجل هاتها ، هاتها ، قلت لك مراراً كلا وألف كلا . دعيه ولا تفكري بشأنه مطلقاً وانصرفي عنه بتاتاً . محال ان اسلم معك في هذا الامر . ابن عمك !! اعوذ بالله العظيم : قطعاً لا اريده ، ولا اريده ابداً .. فقير فقير كالعدم . غريب هذا والله !! ماذا تأكلين وتلبسين في بيته ؟ اترضين بالخبز الاسود ، وملابس كالاسمال ؟ وما لديه سوى ذلك . ايكفي ان يحبك ، وينشدك الحب نثراً وقوافي ؟ يا لك من بلهاء .. لا هذا لن يكون .. العشاق لدينا من اجلك كثر ، والله الحمد . ففكري بغير هذا الامر ولا تثيري غضبي ، انت ابنتي وافهمي هذا جيداً ..
- يا والدي
- كلا اخرسي ، لا تحيري جواباً ، أنا أب ولست ابناً ، لك عليَّ حق التربية والتوجيه ، ولي عليك حق الطاعة ، فلا تكابري ابداً . والقي من يدك هذه الصورة . ولا تحاولي اقناعي . أنا متزمت وعنيد .
- يا أبي دعني اقول كلمة :
- أنا اصرخ فيك وأقول كلا . كلا ...
- يا ابي كلمة واحدة ، كلمة واحدة فقط
- اخرسي ، أنا اقول بملء صوتي لا .. لا ..
- ولكن يا والدي أنا أرى ان الحياة من حق كل انسان ، فليكن لي من هذا الحق كما انه ملك كل انسان فوق هذا الكوكب :
- ويحك : وأي حق تعنين ؟ ومن قال لك ان النساء في
هذا العالم لهن حق في الحياة ؟..
- استغفر الله العظيم يا ابي . ان لكل انسان في العالم حقه امرأة كانت أم رجلا . وكلاهما مخلوق حر يتحمل مسؤولية حريته .
- خسئتِ يا كافرة ، هذا ما علمتك أياه المدرسة ؟ بئس العلم . والله لو علمت هذا من اول الامر لانكفأت على دفعك منها بسرعة البرق .. ولكن آه .. سبق السيف العزل .. يا الله هي تقول لها حق في الحياة !! وانها مخلوق حر !! و.. و..
- يا والدي دعني اوضح لك ذلك .. نعم كلنا لنا حق في الحياة . ونأتيه عن طريق معينة لا لبس فيها ، ولا غبار عليها ، وكلنا نحب الحياة والسهر في ضوء القمر .. وقد أعطى الله سبحانه كلاً منا حياة لروحه ولفكره .. وانت لو بقيت في العزلة التي هي من صمت القبور .. لما علمت ما متع الحياة التي ارادها لك الله .. وكذلك امي ، وانا من حقي هذا القدر الطبيعي اذا يسره لي الله ..
- وماذا تعنين من كل هذا يا غبية ؟ اتريدين ان اتقبل حب ابن عمك لك ؟
- ولمَ لا ؟ ألم يكن ابن عمي ؟.
- سكينة : ولكن أما قلت لك بأنه سمكة اكلت حراشفها الحصى الصغيرة ، وعلى حال من الفقر الأدقع ...
- انت على خطأ يا ابي انه اديب موهوب ، وهكذا تكون عادة حالة الادباء ، وليس كالمعوزين ألا يكفي !.. ماذا تريد ان يكون ابن عمي ؟ مليونيراً ، أو محتكراً ؟ أو متمولاً كبيراً ؟ انظر اليه ، وقارن بينه وبين ابنك ، وفكر بالامر ملياً ، هل يعيش ابنك احسن منه ؟ أو هل الأكداس الكثيرة من المال في صندوقك اكسبتك وابنك من التقدير والنفوذ في الهيئات والمجتمعات ما لم يكن فيه ابن عمي ! ثم أي تفاوت شخصي يوجد بيني وبينه ؟ غير التفاوت الذي يزيدني به ، حيث هو ثمة اديب موهوب ، كما اسلفت ، ويكاد يتوج اسمه الذيوع والانتشار في حين اني لم اكن على شيء ولا أي شيء من هذا كله . واذا كان ولدك يباهي باتساع رقعة املاكه .. فهو