يتوقد فرحاً لتفهمه الحياة ومقدرات الحياة وأوجه الرأي فيها على اختلاف الاحوال في نطاق واسع ..
- لا تكابري يا صغيرة ولا تفسحي المجال الى الحدة في صدري ، أنا اقول انه فقير ، أي انه لم يكن لديه خبز ، والحياة كما تعلمين قوامها الخبز والخبز وحده .. وهو اذا توفر له اليوم رغيف ، فمن العسير ان يتوفر له هذا الرغيف في اليوم الثاني . فهو متواكل ، لا يحترف ، ولا يعمل ، بل لا اراه إلا يدور ، ويدور كدوامة مثقلة ، ويمشي يميناً ويساراً كالمسموم ، فضلاً عن انه كما هو معروف عنه - صريع الغواني - فلا يتأثر بواحدة معينة من النساء بل كاهن عنده في مكان رفيع من نفسه .. فآخر ما اقوله لك ان دعي التفكير به ، لأنه اجمالاً لا يصلح . وثقي بأني لا اتساهل معك في هذا الموضوع على الاطلاق .
- لقد اجحفت حقاً يا أبي ، وبالغت في الاجحاف ، وهذا الذي تنهاني عنه يحبني بدرجة يحسدني عليها ويشهد الله الكثيرات ؛ واما قولك انه معوز الى الدرجة التي نوهت ؛ فهذا بالطبع لا . وهب انه كما تفضلت وقلت « فهو حبيب القلب ومنتهى شغله » ، فالذي يحب الناس ، ويحبه الناس ، لا يحتاج الى الرغيف في اليوم الثاني ، مع انه يحترف ، ونعم ما يحترف . انه يتقاضى عن كل موضوع يقدمه للاذاعة عشرات الليرات ، وحبذا هذه الليرات النبيلة التي تنساق اليه عن مثل هذه الطريق . واما قولك صرعته الغواني . فوالله ، لا . لقد صرعته غانية واحدة احبها منذ سبعة عشر عاماً الى الان ، وما زال وسوف يزال ،
وعدم قبول اهل هذه الغانية به ، هو الذي جرّ عليه هذه البلبلة في حياته العملية ، فوقع كمن يتخبط في شبكة :
- يا ابنتي القي بالاً على ما ارمي اليه من اجلك وابتغيه لك . لقد جئت اليك هذه الساعة لأطلعك على مسألة مفعمة ، هي من شأنك ، فالسيد فؤاد الذي طلبك مني في الاسبوع الماضي . جاءت اليوم والدته لنفس الغرض . فأريد ان لا يبدو منك أي شيء يشعر بالرفض أو عدم القبول . لأن هذا الغني الميسور لا يمكن ان تحظى به المرأة كلما تشاء لذلك أقول اتركي الأمر لنا ، ولا تقومي الا بالأعمال التي ندعوك اليها بدون ادنى تردد ، والا فتضطرينني الى ان اتجه معك اتجاهاً سلبياً ، على ان ما نريده لا بد منه في حال . فيجب ان تكوني دائماً مع الأمر الواقع . فالسيد فؤاد اجدر بك زوجاً ، وستجدين معه الحياة أغلى واحلى . فحذار يا ابنتي حذار ، الا ان تستنحي هذه الفرصة الثمينة ولا تدعيها تفوت ، ان السيد فؤاد شاب
طيب وله الشكل المرموق الذي يستهوي النساء ويرضيهن . وفوق هذا ثري وهو ما نريد .
- آه يا والدي ما أكثر ما يتعذب به قلبي وتثقل مخيلتي بمثل هذه الصور المخيفة التي تسود الدنيا في عيني ، ما هذا الكلام الذي تقول ؟ السيد فؤاد شاب !! ويرضي !! وفوق هذا غني !! هل هذه كل الحياة التي ترجوها لي ؟ هل سألت أو فتشت عن مدى حبه لي ؟ وهل انت متأكد بأنني سأعيش معه ارغد عيش ، كما تتصور ، ثم هل انت متأكد منه ثابت القلب ، ولا ثمة صلة أخرى مع غيري من النساء ؟ ومن قال لك بأني اتاجر بجمالي ؟ ثم من قال لك بأني مريضة العواطف الى هذا الحد ؟ ان تجارة الجمال يا والدي لا تلبث ان تنفذ وتزول : وربما كان نفاذها سريعاً أكثر من المنتظر ، واذا حصل هذا مثلاً ، ماذا يبقى لي من رأس المال ؟ على اني أرى ان الحياة الزاهية الجميلة ، هي عند من لا يفنى الجمال من نفسه الا بفناء حياته ، لأن جمال

