
« هيروديا » مسرحية شعرية في ثلاثة فصول ، نهج فيها الاستاذ يوسف الخال نهجاً كلاسيكياً رائعاً ، في براعة تسلسله ، وفي انتقاء الفاظه ، مما يتناسب وطبيعة الحوار . سلخ المؤلف في وضعها ست سنوات ، بين لبنان وطرابلس الغرب ونيويورك ، واستعملها تنقية وتنقيحاً حتى رضي عنها ذوقه الشاعري الرفيع فدفعها الى مطابع « الهدى » التي رئس تحريرها العام الفائت فصدرت في ثوب بسيط وأنيق ، تحفة ادبية يتباهى بها في الشكل والجوهر ... فللشاعر يوسف الخال خالص التهاني .
وفيما يلي مقطع من هذه المسرحية آثرنا نقله الى قراء « صوت المرأة » . وفيه يهب هيرودوس سالومه ما تريده ولو كان نصف مملكته يهوذا ، ثم اصرار سالومه على قطع رأس يوحنا المعمدان اطاعة لارادة امها هيروديا :
هيرودوس
مهلا !
ما عصتني حسناءُ قبل ، ولن تعصى
فكفّتي أندى الأكفّ وأغلى !
( يلتفت الى سالومه )
لك ما ترغبين : نصف يهوذا
بل حياتي ...
سالومه ( بخوف )
مولاي !
هيرودوس
انت المولى
سالومه
يا الهي !
هيرودوس
أجل وعدتك ، سالوم ،
ووعدي انا يمين ... والا
فاطلبي : في خزائني درر بكر
أعرن الفضاء بعض نجومه
ضلّ عنها غوص العماليق في اليمّ
وراء العصيّ من معلومه ،
وعقودٌ منظومة باليواقيت
روماني اول
لا . لا . دعيها
روماني ثاني
خذيها ، سالوم !
في خبايا هيرود اروع منها
فسليه ... لعله يهديها !
هيرودوس
إي وربي ! فيها من اللؤلؤ الأنور
فوجٌ معرّبٌ وجواهر
حملتها بلقيس ، يوم سليمان ،
فزاغت ، لما رأتها ، النواظر ،
ومن العسجد المصوّغ اقراط
خفاف برّاقة وأساور
ان تحلت بها الحسان رددن
الصبح ليلا ، والليل صبحا ...
روماني اول
فبادر
واعطها ...
هيرودوس ( متابعاً )
في خزائني حلل حمرٌ
صباحٌ هفتافةٌ ، مغناجُ
غزلتها انامل الجن والليلةَ
عرسٌ والمرتمى ازواج
فعليها من اللذائذ إبراقٌ
ومن نشوة الهوى إيجاجٌ ....
أي ! ومنها ، سالوم ، خضرٌ وبيضٌ
ناعجاتٌ ، محجلاتٌ ، هزاجُ
طرّزتها دمشق فهي دمقسٌ
ناعمٌ ، انور السدى ، وهتاجُ
ورقّتها شيراز فهي حريرٌ
مخمليّ ، وطيلسٌ ديباجُ .
روماني اول
يا لسالوم ! لو تردّت بها الان
فلا كان للدجى إصباحُ
لا ولا ضاء فوق رومة مصباحُ
ولا مالٌ دونها مصباح !
يا لها ...
هيرودوس ( متابعاً )
في خزائني عنبر أغدق
سكرا من الخمور العتاق ،
ولبانٌ معرق في القوارير
ومسكٌ مدلّج في الحقاق
وطيوبٌ من كل لون ونشر
خصلتها انامل العشاق
في قصورٍ مسحورةٍ ، مرمرياتٍ
شددن القباب بالآفاق ......
فاطلبي !
سالومه ( باضطراب )
عفو سيدي . لا يهوذا
نصب عيني ، ولا الحلي الكرائم ...
بئس يومي ! ولا الحلال البهيجات
العذارى ، ولا الطيوب الفواغم !
نصب عيني ...
هيرودوس ( بجاس )
ماذا ؟ سلي النجم احمله
على راحتي إليك قلادا ،
أو سليني لبنان أنسج رباه
فوق عطفيك مئزراً وبجادا ...
ما تشائين ، اطلبي !
سالومه ( بألم )
رأس يوحنان
١٢