مبروك عليكم ، مبروك ، مبروك ..
كلمات ترسلها عشرات الافواه مع أرق البسمات كلما وُلد مولود جديد منذ اقدم العصور ، منذ عرف الرجل معنى الابوة والمرأة معنى الامومة ، أي منذ وُلدت العائلة من الحياة البشرية . هذه الأم ، سكبت كل روحها في ابنتها ، فجاءت البنت العائلة مرآة صادقة عن امها الحياة .
اذن ، قصتنا اليوم ليست عن هذا او تلك ، انما هي قصة كل فرد من الأجيال البشرية التي مرّت والتي تمر وستمر . هي قصة كل منا ، قصة الطفل الوليد الى ان يصبح رجلاً . كم من الوجوه تهلل لميلاده ، وكم من الوفود تهنىء ، وكم من الطباق تقدم ، فهل في غمرة الفرحة هذه ، تنظر الأعين الى طفلنا هذا ، نظرتها الى كائن حي ، الى انسان ؟ أو ... هل لا يحتاج الطفل الى اكثر من حمام ومنام وثياب وطعام ؟ لا أعتقد هذا . الطفل بحاجة الى تربية . وتربيته تبدأ من اللحظة الاولى التي يولد فيها . هو قبل كل شيء ، كائن حي ، يشعر بالألم والانبساط ، فالأم التي تعوّد طفلها ان ينام في النور ، تكون قد بذرت الخوف في نفسه من حيث لا تدري . كما انه يتعلم معنى الحب ومعنى السرور من نظرات امه وضحكات ابيه وقبلات اخيه .
ان نفس الطفل ليست خزانة فارغة ،
علينا ان نعبئها بالمواعظ والارشادات والعلوم ، لا ، هو كائن حي ، لديه عقل وحس وشعور وغرائز ، فعلينا نحن ، ان نسير مع مراحل نموه خطوة خطوة ، نقدم له في كل مرحلة احتياجاته الجسدية والنفسية والعقلية . ولست ادري بأي حق يستغل المربي سلطانه التربوية لتنشئة الطفل كما يريد هو أو كما يريد رأس الدولة . لا ، الطفل هذا امانة في اعناقنا طوّقتنا
بها الحياة . فواجبنا هو ان نعرفه على الحياة ، وغايتنا الاولى من تربيته هي اعداده لحياة كاملة ، بأن نهيء له الظروف التي تساعده على النمو نمواً طبيعياً في الجسم والتفكير ، ونتركه يستعمل حواسه في اكتشاف ما يحيط به ، مشجعينه على التفكير المستقل والاستنتاج . فكيف بالله نطلب من طفل لم يعرف من والديه سوى الاوامر وواجب الطاعة ، ولم يسمع من استاذه سوى محاضرات وعلوم ابتلعها مكرهاً كما هي - كيف نطلب منه ان يصبح رجلاً سيد نفسه قائداً لحياته . ان اردنا أن يغدو الطفل انساناً كاملاً ، علينا ان
نعامله كانسان ، له عقل وقلب وغرائز ، منذ لحظة ميلاده ، لسبب بسيط جداً ، هو ان الحياة قد أوجدته انساناً ، فبأي حق نستعبده لغايات لنا ؟؟!!
على ضوء هذا ، نستطيع ان نستنتج ان التربية موضوع يتصل بصميم الحياة البشرية ، هي غذاء روح المجتمع ، « كما ان الطعام والتناسل يحفظان حياة الجسد على مرّ الاجيال ، كذلك الحياة الاجتماعية لا يمكنها ان تستمر على قيد الحياة بدون التربية والتعليم » .
ومن الخطأ العظيم ، ان نلقي مسؤولية التربية على الامهات والآباء والاساتذة فقط . وهذا يعني ان التربية ليس مكانها البيت والمدرسة فقط ، انما الطفل يستمدها من الحياة نفسها ، من البيت والمدرسة ، ومن كل انسان يراه ومن كل حدث يحيط به . حتى اني اشك كثيراً في ان يكون الطفل وحده هو المحتاج الى تربية بيننا ، فكلٌ منا يحتاج الى تربية وتعليم الى آخر لحظة من لحظات حياته . فكلنا كأفراد في مجتمع لا يمكن ان نحيا بغير الروابط الاجتماعية التي تربطنا ، وكيف يمكن لهذه الروابط ان تبقى متماسكة قوية بدون التربية ، فلا عجب اذن في ان يربي خادم سيده أو طفل جدّه .
ومن بعض الامثلة على هذا بائع او قاطع تذاكر في باص او ترام . ان كان هذا مهذباً لطيف السؤال محباً للمساعدة ، بشوشاً على الرغم من عرقه المتصبب ، ألا تثير شخصيته انبل المشاعر في نفس كل راكب ؟ انه ليس معلم مدرسة ولا بروفسور جامعة ، هو قاطع

