الى المدرسة ، ولكن واحداً منهم لم يكن يعرف ما هي المدرسة ؛ فجلست تقص عليهم الحكايات ، وتنشد لهم الترانيم الدينية ؛ وفي يوم الأحد التالي عادوا ومعهم بعض اصدقائهم ، ولم يكن قد سبق لأحدهم ان رأى كتاباً او لمس قلماً ، وسرعان ما كبر صفها ، فانتقلت به الى كنيسة ريفية قريبة .
قررت مارتا بعد ذلك ان المدرسة الأحدية لا تكفي ، وان التعليم في الكتب يجب ان يضاف اليه التعليم الديني فأنشأت مدرسة صغيرة عبر الطريق المقابل للعزبة ؛ وفي اليوم الأول جلس عشرة صبية على المقاعد ، بينما تجمع عدد آخر في الممر باستحياء وخوف على استعداد لاطلاق سيقانهم للريح في أية لحظة ، فتظاهرت مارتا بتجاهل وجودهم ، وما لبثوا ان تبددت مخاوفهم ، ومشوا بتلكؤ الى الداخل وهم حفاة .
ولم يمض وقت طويل حتى ادركت مارتا ان المدارس النهارية لا تحل المشكلة اذ كان الأولاد يضطرون في بعض الأيام للبقاء في البيت لمساعدة والديهم في جني القطن واطعام الماشية ؛ فقررت ان الحل الوحيد للمشكلة هو تأسيس مدرسة داخلية حيث يمكن للطلاب ان يعملوا بما يغطي نفقاتهم . وفي ذات يوم ذهبت مارتا الى اقرب مدينة لقريتها ، واوقفت املاكها على مدرسة بنات وابناء القرى الجبلية ؛ وقد حاول محاميها ان يثنيها عن عزمها ، فاسكتته بقولها « سأجني حصاداً افضل بما تغله الارض » .
وفي شتاء عام ١٩٠٢ افتتحت مدرسة « ماونت بري » للأولاد ، وكان عدد التلاميذ خمسة ، وقد جعلت اقساط
التعليم في متناول كل يد ، وكان بعضهم يدفعها عيناً من المحصول كثور ، او خنزير او كيس ذرة .
ونمت المدرسة باطراد حتى فاضت امكانيات الانسة بري المادية ، فسافرت الى مدينة نيويورك واخذت تروج لمشروعها ، فحصلت من جماعة من المصلين في احدى الكنائس على مبلغ من المال ثم زارت احد رجال المال فزودها بقدر من المال واسماء بعض من يستطيعون معاونتها ؛ وفي البيت الابيض استمع الرئيس تيودور روزفلت لقصتها ، فأقام لها مأدبة تكريمية ، وهناك اعادت قصتها على مسامع المدعوين ، فأخرج الرجال دفاتر الشيكات وتبرعوا بالمال .
في عام ١٩٠٩ بنى الاولاد بسواعدهم مدرسة جديدة لشقيقاتهم اللواتي جئن من الجبال المجاورة ، وتضم المدرسة اليوم في مبانيها المئة ، مدارس ثانوية منفصلة للأولاد والبنات ، وكلية جامعة ويذهب
الاولاد الى صفوفهم المدرسية اربعة ايام في الاسبوع ، ويشتغلون يومين لكسب نفقات الطعام والتعليم ، ولا تستأجر المدارس عمالاً ، فالأولاد والبنات يصنعون كل شيء بأيديهم تحت اشراف اساتذتهم الذين يعملون معهم جنباً الى جنب .
اما البنات فيقمن باعداد الطعام وتقديمه ، ويدرن مغسلة المدرسة ، ومصنع التعليب ويعملن في المكتبات وسكرتيرات في مكاتب الكلية ، ويشرفن على مركز للتمريض خاص بعائلات المدرسين المقيمين على ارض المدرسة ، كما يتدربن على التعليم العملي في الصفوف الابتدائية .
ومع ان مارتا بري توفيت سنة ١٩٤٢ لا تزال مدارسها سائرة على النهج الذي وضعته لها ، وما زال الزائر يسمع رنين الضحك ، على ارض المدارس ، الى جانب العمل والاجتهاد !..
