الارض العطشى ماء السماء ! اشتاقها اشتياق الاعمى لضوء النهار ! احتاجها احتياج الجسم العاري للثياب .. اني صغيرة النفس ذابلة الروح بدونها .. تعالي لافهمك ذلك .. اني احبك ولن اتركك فانت « ماما » ولن انسى اول يوم كنت لي فيه « ماما » وبقية الايام والسنين حتى هذا اليوم » ...
حشوت فمي بمنديلي امنع انطلاق الصراخ من حلقي ، صراخ النفس التائهة الذليلة ، الملقاة عالة على عاتق الحياة ..
كنت صغيرة اودع الطفولة عندما انفصلت حياتي عن حياتك . لم اعرف ابي رغم تذكري لوجهه بعض الاحيان وكنت اظنه من اهل العالم الآخر كما اوهمتني ولكني عرفت الحقيقة بعد ذلك ، عرفت انه يعيش في قسم آخر من الارض بعيداً عنا ، بعد ان فصل حياته عن حياتنا .. عرفتها من فم آخر غير فمك ، فبكيت من اجلك ورحت افكر فيك ...
كنت يا امي تحبينني كثيراً . أكانت حقيقة ذلك الحب حقيقة ام مجرد خيال الطفلة في ، لست ادري ! كنت تحاولين ادخال السرور الى نفسي بكل وسيلة ممكنة ، ترتاعين لدموعي وتضحكين لابتساماتي . كنت استيقظ في الليل مذعورة من حلم مخيف فتحمليني الى سريرك تلفين ذراعيك حول جسدي فانام .. فماذا حصل بعد ذلك حتى اصبحت غير امي ماذا حصل ؟ لم يتغير كل شيء فجأة بل شيئاً فشيئاً وبكل هدوء .. تاهت نظراتك بعد لهفتها واشتياقها ، برد صدرك بعد دفئه وحمايته ، ارتخت ذراعاك بعد شدتها ، تغيرت
كلك ، فكنت تغضبين لاقل ازعاج اسببه لك ويرتفع صوتك آمراً متذمراً يرعب الخادمة ويذهلني .. لم اكن بحاجة الى حاسة سادسة لاعرف ان شيئاً غريباً دخيلاً كان يقف بيني وبينك او اقف انا بينك وبينه ، شيئاً يختلف عني واختلف عنه في كل شيء الا في احتياجك لكلينا .. كنت حائرة ملتاعة كغريب عند مفترق طريق ! كم عذبتني الحيرة وقتئذ! كم اردت ان أسألك بل استعطفك متسائلة :
« ماذا جرى يا امي ؟ لماذا انت غير ما كنت ؟ انظري الي فانا لا ازال كما انا ، اطلبك كما كنت » ..
ثم كانت تلك الليلة ، ليلة الريح والعاصفة ، امتلأت نفسي رعباً فركضت اليك مترددة وقلت بوجل :
« اني خائفة يا ماما ، دعيني انام على ركبتك قليلاً ريثما يهدأ الرعد » .
فتركت جورباً كان بيدك وفتحت لي ذراعيك ضاحكة ملهوفة ، عندئذ اجتاحني سرور كبير ورميت بنفسي بين احضانك ابكي واضحك معاً .. لِمَ لم تدم تلك الساعة سنين وشهوراً ؟ لِمَ لم ابثك وقتئذ ما كانت تمتلئ به نفسي من حب ولهفة وشوق ، وخوف من ابتعادك عني ؟ طرق الباب وقتئذ فازحتني عنك بشيء من القوة غير شاعرة بما تفعلين .. فنظرت اليك بخوف مستفسرة ثم أرخيت جفوني عندما رأيت بريق عيونك وعرفت ان ذلك الشيء الدخيل يكمن وراء الباب ينتظر الدخول . ثار في غضب جريح فعدت انظر اليك بتساؤل عنيد انتظر ما تريدين قوله وقلبي يستعطفك صامتاً فقلت :
« اركضي الى فراشك الآن فستهدأ
العاصفة بعد قليل » ..
ثم تركتني واسرعت الى الباب ، فتحسست طريقي من خلال دموعي الى غرفتي واخفيت جسدي تحت الغطاء اطلب الاستتار والاختباء .. لم تهدأ العاصفة كما قلت بل ازدادت ثورة وارتداداً .. استمعت اليها ذاهلة ساكنة بغير خوف او وجل اذ كنت اصارع عاصفة اقوى واهول منها تعصف بقلبي المسكين .. لم استطع الاحتمال فتسللت من سريري ومشيت الى غرفة المقعد حافية القدمين لاكتشف ذلك الدخيل . كم كرهته يا امي في تلك اللحظة ذلك الذي احببته ، وكم اكرهه ! ذلك الوجه العريض الساكن والعيون الباردة الساخرة ! نظر الي ببرود ونظرت اليه بذهول ، فرأيتني وشهقت شهقة خفيفة ، ثم نظرت اليه ونظرت الي ونظرنا اليك سوياً ، عندئذ رأى كلانا ما اراد ان يراه في وجهك ، فابتسم هو وتراجعت انا الى

