نزهة العيون ... ارجوحة النفس .. السفر ! السفر مدرسة كبيرة .. يا ليتني لا اتخرج منها ...
لا الملل ولا الضجر عرفت على الباخرة الصغيرة المتراقصة .. سامسون .. كل ما فيها حلو ... حتى العبارات التركية التي كانت تعترضنا يميناً وشمالاً دون ان نفهم منها شيئاً ... فنحن لا نتقن من التركية سوى كلمة .. بك .. وباشا .. وافندم .. وهانم ..!
كانت الاسكندرية اول ارض حطت بها قدماي بعد بيروت ... ولم اشعر فيها بحرقة الغربة اذ ما عليك في الاسكندرية الا ان تخفف « الجيم » وترقق اللهجة كما تسمعها من افواه اهل استوديو مصر مثلاً لتتفاهم مع الكل !
ولا بد لكل سائح زائر ان يمر في بلاجات الاسكندرية وكورنيشها الطويل العريض ... ولا بد له ايضاً ان يطوف في قصورها ويقف طويلاً في احدها ... قصر رأس التين يستمع الى
الدليل يقص عليه قصة يوم .. فيه انهار عرش وهرب ملك كانت حياته حياة الف ليلة وليلة .
وقد حدثني طويلاً خادم شاب هناك عن سيده الملك .. وكيف كان يتبختر في القصر فترتج ارجاؤه من صدى قهقهاته .. ولكنهم كانوا يحبونه وان لم يكلمهم مرة واحدة ... كانوا يحبونه وان لم يعبأ بهم .. كانوا يحبونه لان عاطفتهم كانت مسخرة ايضاً ...
حدثني هذا العبد الشاب عن قصة ذلك اليوم التاريخي اذ خيم اليأس والوجوم على القصر وسكانه فبكى الجميع وحتى الخدم ... راح سيدهم وتركهم وهم باقون في ارجائه العظيمة وقاعاته الفخمة .. كانوا خداماً فغدوا حراس متحف ...
زيارة واحدة الى قصر رأس التين تقربنا من روح الثورة .. ثورة الحرمان على البطر !
وكانت باريس بعد مرسيليا محط الرحال !
انت تشعر في باريس وكأن يد الانسان تتعاون والطبيعة في سبيل خلق الجمال وتأصيله وتعزيزه هنا وهناك وفي كل مكان .
يقولون انها مزدحمة صاخبة .. نعم ولكنها باريس وستبقى باريس المتزملة
المتدثرة بطابعها الفريد ذلك الطابع الذي يربض على كل ما هو عريق ... دائم.. يتحدى عصف الزمن وتقلباته.. باريس تبقى عصرية فلا يفاجئها العصر بتغيراته وتبديلاته .. باريس تظل عروساً في اوروبا وان عبقت ارجاؤها وساحاتها وردهاتها بالقدم !
عرس الفن دائماً في باريس .. يا الله كم حسدته هناك وهو متربع في قصورها في متاحفها في نواديها في معارضها .. وفي قاعة الاوبرا حيث يختال ويقفز عالياً عالياً على مسرح رائع في اطار من ذهب ! وتحار العين اين تحط وتركن ، اعلى الجدران التي قلما تلاحق طولها ام المقاعد الفخمة التي تحتضنك احتضاناً ، ام السقف او قل السقوف


