
ليلى أبو ضاهر
قلم فتيّ ... يشق طريقه في عالم
الحرف ، بكثير من الأناقة والثقة !!
★
ضع رأسك على صدري واشك لي
آلامك على أستطيع أن أحملها فلا
تتعبك بعد الآن ... لا تخف على قلبي
من أن ينوء تحت حملها ، فقد مرّسه
فراقك على تحمّل الأحزان مهما كانت
موجعة . إن كل السهام التي تبقّت في
جعبة الشقاء لا تدمي كما فعل السهم
الأول ...
دعني أعبث بهذه الخصلة المدلأة على
الجبين النبيل فهي الوحيدة التي لم تطع
لك أمراً ، وذراعك هذه أمدّني بقوة
منها فقد استنفذت الحياة كل ما أعطيتني ،
وعيناك هاتان ذوبني بنظراتها فقد صار
لي زمن لم أرهما تلاحقاني ، ثم لا تكن
على عجل وتمهّل في عودتك لي هذه المرة
وكل مرة - لأن وحشة الفراغ قد
مزّقت روحي ...
أتذكر الصبا ، وخاصة ذلك اليوم
عندما قطع حبل الأرجوحة وكدت
أتحطم لولا ذراعك التي ردّت إليّ
أنفاساً كانت على وشك الرحيل . كم
أحسست بالراحة والهدوء وشعرت يومئذ
أني لا أريد مجرد اللعب معك ، بل أريد
أن تبقى معي دائماً . عندئذ فقط بدأت
أراك جميلاً قوياً حنوناً . لم يستطع
قلبي الفتى أن يفسر إحساسي يومذاك .
ومرة أخرى عندما كنّا نلعب
لعبة المطاردة قرب الساقية وسقطت في
الماء ، فجرحت قدمي وجرف التيار
الصغير حذائي ، فغمرتني برفق وحملتني
إلى البيت . كم تمنيتُ أن يكون بيتنا
بعيداً حتى تطول الطريق ...

ليلى أبو ضاهر
كم فرحتَ عندما أخبرتك أني
سأذهب إلى المدرسة الداخلية حتى أحصل
العلوم الثانوية . لقد فرحتَ لأننا
سنكون عندئذ زميلين ، وقد كنت
تحسّ أن في نفسك زنبقة ما زالت
مكممة ، تحتاج بستانياً حنوناً يتعهدها
حتى تتفتح . وقد كنتُ أعلم أنك تراني
ذلك البستاني .
يا لفرحي إذ أعجب الجمهور بقصيدتك
التي ألقيتها يوم تخرجك ، وكنتُ
أسمع الملاحظات من هنا وهناك وكلها
تتنبأ لك بمستقبل باهر في عالم الحرف
والقافية ...
وكم أعجبتُ بعزيمتك وقوة شخصيتك
يوم دخلتَ الحياة من بابها العملي . مات
أبوك فأردت أن تكون أباً لأخوتك
وأماً لأختك الصغيرة . مرّات عدة
رأيتك مدرّساً في النهار وطبّاخاً في
المساء ومربياً في الصبيحة وكثيراً ما
تمنيتُ أن أذهب إليك وأساعدك ،
ولكن أين أنا والتقاليد ؟...
ما زلت أذكر كيف احمرّت
وجنتاي من الخجل في دار الكنيسة يوم
دسستَ في شعري تلك الزنبقة البيضاء
قائلاً : أن بياض الزنابق يخفف من
حلكة الليل . ولما ضحكتُ في طريقتك
الشاعرية سحرتني بشيء من بضاعة الشعراء
جعلتني أطرق قريرة العين هادئة الأنفاس .
ويوم جئت لوداعي : « ستكون
رسائلنا قصة حبّ لابنائنا . » هكذا
قلت لي وهكذا كان .
وعودي لم يكن فجراً لكلينا ؟..
« غداً ، الشمس لا تشرق لأنها
أرسلتك مشرقة ، والبراعم لا تتفتح
لأنك البرعمة المنتظرة التي تفتحت ،
وبعد غد ، الساقية والكرم والدرب
ستشرق جنباتها لأننا سنمشي عليها معاً » .
خمس سنوات عشناها معاً ، لم نع
لحظة في تفسير السعادة ، إذ أنها كانتنا
وكنّاها .
★
« ملّت رأسي الوسادة ، إنها
لا تخفف الآلام . لا تذهبي ، لا
تتركيني . » وغفوت ، فأخرجني الطبيب
خارج الغرفة ، ولكن غفوتك لم تطل ،
٣٢