يا وجه الحياة الرصينة ! يا بئر المعرفة ! أنت يا كنز الأجيال يا أيتها المكتبة : جئتك ألتمس انطلاق الجمود عن نفسي ، فأذكت أكداس الكتب ذعري ، وأرهقت المجلدات الضخمة شعوري بالقصور ! فارتدت روحي حسيرة تلتمس من وقارك بسمة فريدة ، تلاشي قناعتي الذهنية الحاملة المستترة في عمق أعماقي .
مشيت وجلة نحو أكوام الكتب الحكيمة ، وتمتمت لها في سري : « أيا بنات القلوب الكبيرة ويا أخوات الأحزان ، حدثيني عن أوصاب الحياة ، وقصي علي أوجاع العمر الملفع بالسكون ! هبيني ناصيتك التي خطها شيب الأجيال ، لأفزع إلى رحمتها عند اشتداد خطوبي ، وأستكين إلى قصص الهلاك وأنات الفناء !
وإذ لمحت التعنيف منها يطل في جهامة صفحاتها ، طويتها مخذولة واستدرت إلى الكتب السماوية ، أضرع إليها أن تجعلني أهلاً لتلقي فيضها في جناني ، فجعلت أقول :
« عندك يا ملكة الوحي تندثر أعمار الدهور ، ومن خلال حروفك يعلو التفكر شحوب العدم ، ويسود وجه العقل الأغبر ، ويكتهل الكفر والجحود ، فمدي إلي أنوارك وتداخلي في ذراني اللاهثة إلى السمو » .
وإذ راقني سحرها المعنوي ، ولبثت مدة عبدتها ، تقت إلى الجدة وكانت
قبالي أكوام منمقة من كتب شعرية ، فتحت لي دفتيها تدعوني فهمست لها :
« في طياتك يا عرائس الخيال ، يعشعش قلبي ، وعلى ملمسك الصقيل ينحدر طرفي ، أيتها الأصداف الثمينة المجلوبة من عبقر ، حدثيني ، كيف تراقصين النجوم والأفلاك ، وتكونين صلة وصل بين مادة وروح ، بين بنيان ومعنى ، أيتها العظيمة المتواضعة ، صادقيني حتى يزدهي الشعور مني ، إذ تضعين على ثغري بيانك وظرفك وشجاك ، وتفكهين جوارحي بأصالة أبحاثك » .
ولبثت مدة أخطو في حيرتي وارتباكي ، بين تلك الطبقات المزدحمة من الأسفار الفكرية ، في تلك المكتبة الرهيبة الرحيمة ، فوجدتني ألمس كتب الفلسفة بفتون من يتملى شعوراً غريباً يملأ النفس تحببا ، ويترعها هيبة وخشية ، فاقتربت أهمس لها :
« يا ذات التمنع المطمع ! أتظل سطورك تتحدى بعمقها عزة فهمي ، ويظل سرك محتجباً في أقوال ثالوثك : سقراط ، وأرسطو ، وأفلاطون ، هذا الثالوث الرهيب الذي هتك أسرار القلب والعقل والنفس ! أيستطيع حقاً أن يلجك من أراد ، أم أنك تشترطين في الانتساب إليك منطقاً وحجة وبياناً ؟ أليس هذا تجنياً على العقول المسكينة التي تتعطر للسعي إليك ، بأية لغة أرستقراطية تخاطبين أعوانك أيتها الفلسفة المهيبة » !
وإذ صدت عني بطرفها المعن إهمالاً ، رحت أستجدي شاعرية الكتب التاريخية وأقول لها : في طياتك يا ابنة الماضي تجثم الأزمان السحيقة ، ومن سطورك
يطل سحر العهود الخالية أنت التي تنبهين غفوة الحنين ، وتناولين بكفك المقدس حكمة الأجيال السابقة إلى الأجيال اللاحقة في صفحاتك يهيمن عزيف الحقد البشري ، الذي أوجد الثورات وخلق الحروب والتطاحن ، ودفن أشلاء المدنيات ، وغمس الأسنة والرماح في دم الصدور الفوارة !
في فصولك تتحدث الحضارة بجمود السرد وحيادية الفكر المؤرخ فلا ينال منك هانيبال ونابوليون وخالد بن الوليد سوى الذكر المدقق ! وأما الهتاف والروعة ، فتتركينها تفعل في قلوبنا ، منذ ذا يمنعنا أن نمجد هؤلاء ، أن نلفظ إعظامهم من نفوسنا ، وأن نغدق الإجلال على كوبرنيك وابن خلدون وعائشة !
هذه المكتبة الساحرة تنطق بلسان ألف شاعر ، وتمعن بفكر ألف فيلسوف وتشعر بقلب ألف مصلح وعالم ومبتكر ! هذه الصادحة المعولة الراقصة الباكية الرزينة الصاخبة ، المنطوية على شرف الصمت ! أليست هي رمز الارتقاء وعنوان السلام والتسامي ! كم مثل هذه المكتبة في بلادي ؟
عايشي الشعوب البائدة أيتها المكتبة ، خاطبيني في صمتك من في حجب القرون ، فاخري بصحبة العظماء ، خذي حكمة العمران المندثر ، فسري الطلاسم وحلي الرموز.. أما أنا فدعيني أخرج من أثيرك الساحر ، فقد تلبد جو فكري ، وامتلأت روحي قتامة من عبوس حكمتك ! وألح علي عجزي وقلة اختباري ! فدعيني أخرج إلى دروب الحياة السهلة الخالية من إرهاق الفكر ، مع آلاف السائرين ...

