عرقي غزيراً ووقعت على الارض فتحت عيوني لاراك مصفرة الوجه ترقينني ، فاغضت عيوني لكي لا ارى وجهك في صفرته والتياعه فقلت :
« منى حبيبتي ، سأذهب في سفرة تستغرق اشهراً واريدك ان تنتظريني هنا مع « ماما » حتى اعود » ..
فحدقت في غطاء سريري الوردي وقلت وكأن شفتي تحولتا الى خشب : « لا بأس يا امي ، سأنتظر عودتك واذا طال غيابك فلا تقلقي بالك من اجلي « فاما » تحبني كثيراً وانا احبها » ..
وعند الباب وضعت رأسك بين يديك وبكيت ثم جففت دموعك وخرجت مرفوعة الرأس جميلة كالورود ..
طالت غيبتك كثيراً وعندما عدت واياه ، عدت اجمل واثق ، اروع وابدع وكنت انا اكبر واعقل ، اسكن وافهم ، كنت صبية هادئة تبتلع مراً وتشرب حزناً ، تتقبل حقيقة حياتها الهائلة بخضوع وانحناء ...
اخذتني بين ذراعيك وهتفت : « غداً ، غداً يا « منى » سآتي لآخذك معي ! آه لو ترين البيت و ... »
توقفت اذ رأيت نظراتي الثابتة تتأملك ، فقلت وانا احيط كتف « ماما » بذراعي :
« آسفة يا امي ويؤلمني ان اقول اني لن استطيع ترك « ماما » بعد الآن ، سيشكلها فراقي ان ذهبت .. اني سعيدة هنا وانت سعيدة هناك ، فلنبق كما نحن . »
فارتددت الى الوراء وكأني صفعتك وبقيت لحظة تحدقين في لا شيء او في شيء خفي لا نراه نحن وكأنك مفجوع
يواري حبيباً له التراب ! ثم رفعت رأسك عالياً ومددت الي يدك قائلة : « لن اقول شيئاً يا ابنتي فهذا اقل جزاء استحقه .. ولكنك تعلمين كم احبك ، ويعلم الله ان قلبي سيظل معك ولك دائماً ودائماً .. »
عرفت كم كلفك ذلك الهدوء وتملك الاعصاب اذ كنت مثلك احاول الثبات وعدم الصياح : « لا حيلة لي في الامر يا امي ، فبيتك الكبير لك ولزوجك ، ولا مكان لي فيه » .. مددت اليك يدي تكلمك صامتة فاخذتها كغريق يتعلق بيد منقذ ثم خرجت بسرعة وبغير نظرة الى الخلف ، عندئذ ترنحت فالقيت بجسدي على صدر ماما وانتحبت ..
ابتعدت بعد ذلك عني اكثر ، وفصلت بيننا فروق كبيرة ، كنت زوجة لثري وجيه تزينين المحافل والمجتمعات يظهر اسمك هنا وهناك كعاملة خير وعضو مؤسسات ! كنت تدعينني احيانا مع ماما الى بعض من حفلاتك فاذهب خائفة واجلس في زاوية لوحدي وكأني عمياء لا اعرف كيف افتح عيوني في تلك الاضواء والمباهج ..
وامس بعد ان تركتني « ماما » وبقيت وحدي ، احسست بتعب هائل يرهق نفسي وجسدي ، فاحنيت رأسي بخضوع وتساءلت مغمضة العينين : كيف فقدتك يا امي وكيف فقدتني لست ادري ! كيف ومتى سقطت على وجه ايامنا الظلال طاردة عنا نور الشمس ! كيف ومتى انشقت الارض فقطعت بيني وبينك الوديان ! لست ادري !
ثم قمت الى صور لك قديمة وجديدة ورحت اتأملها برقة وعطف .. انت ، وانا طفلة بين يديك ، تتبسمين . انت تسقين حديقتنا وتضحكين . انت تحمليني على الشاطئ وتمرحين ! ثم صورك اليوم : انت في حفلة خيرية تأتمين . انت في حديقة بيتك الكبير مع صديقات لك تتحدثين . انت انت في كل صورة انت وفي كل موقف انت ...
فاض ألمي فاغضت عيوني وتخيلتك في ساعات وحدتك تغمضين عيونك مثلي وتتذكرين طفلة حبيبة لك ، فتمدين يديك في الفضاء تبحثين عنها واذ يسخر منك الفضاء والفراغ تغطين وجهك بكفيك هاربة من قسوة الظلال ! .. تصورتك تستقبلين ابنة شابة لصديقة لك تضحكين لها وقلبك يصرخ منادياً غيرها ، هاتفاً باسم آخر ، بعيد حبيب ! .. تخيلتك في ساعة مرض ، الزهور الى يمينك والادوية الى يسارك والزوج والاصدقاء معك وحولك ، ونفسك ذاهلة صائمة تتمنى وجودها هي فقط ، تلك الابنة الغالية وليس كل ذلك الخليط من زوج وصحب ودواء ! ..
فلسعتني الحقيقة ، حقيقة عذابك كم قست عليها الظروف فقست ! قفزت كالمجنونة وهتفت لاسمعك :
امي امي ، فهمت الآن وسأقول لك اني فهمت ! لقد غفرت لك فاغفري لي ما اجفف من طراوة حياتك وما اعتم من زهو ايامك ! ها انا الآن اكتب لاقول اني احبك ، احبك في كل ساعة من ساعات نهاري وكل حلم من احلام ليلي ... وغداً عندما اخرج
