منذ سنوات خلت ، قبل حدوث الكارثة الفلسطينية ، قالت لي فتاة صهيونية : « هناك شعوب لم تُخلَق لتعيش حرة لانها تعجز عن انتاج الزعماء ولا تستطيع حكم نفسها بنفسها . » وهي تعني بهذه « الشعوب » سكان الاقطار العربية .
ثم كانت الهزيمة في فلسطين . وكانت موجة التشاؤم التي غمرت نفوس العرب وزعزعت ايمانهم بذواتهم واثلجت صدور اعدائهم ومَن والى الاعداء من دعاة وانصار .
وحين قام في مصر زعماء يقرنون القول بالعمل ويبنون نهضة بلادهم على اساس متين من الانتعاش الاقتصادي والاصلاح الاجتماعي ، عاد الامل يدغدغ صدور المخلصين . لكن انصار الرجعية اصرُّوا على تشاؤمهم ، مع ان نغمتهم خفتت بعض الشيء إزاء الحقائق التي تصدم العين .
صمدت مصر في وجه الاحلاف الاجنبية . فادهشهم صمودها وتوقعوا لها الوهن والتراجع . وحين لم تهن ولم تتراجع رموها بالميول اليسارية ، وهي التهمة التي اصبحت اليوم زيّاً شائعاً ، يلجأ اليها الخصوم حين تُعوزهم التُّهم .
ولما لجأت مصر الى التسلّح عن طريق روسيا ، جدّد دعاة الخير حملتهم الاتهامية .
وهالهم ان يقترن الوعي السياسي بالوعي الفكري وصُعقوا حين قررت مصر إلغاء المحاكم الشرعية والملية ، بعد ان تبيّن لها ان هذا الاصلاح دعامة اساسية من دعائم نهضتها .
يكفي ان تنظر اسرائيل الى هذه الخطوة الجريئة التي تخطوها مصر نظرة ازورار واستهجان . يكفي ان تُعلن محطة اسرائيل تهكمها بهذا التدبير ، ليوقن المصريون انهم يسلكون سواء السبيل .
لأن اسرائيل ما كانت يوماً صديقة العرب ولا شيء اشهى الى نفسها من ان تراهم مستسلمين للجمود والوهن والتخاذل .
منذ بضع سنوات اضرب المحامون في لبنان مطالبين بتحويل دعاوي الاحوال الشخصية من المحاكم الدينية الى المدنية ، فاخفقت محاولتهم . وابتهج بهذا الاخفاق اولئك الذين يهمهم ابقاء القديم على قِدَمه لانه اضمن لمصالحهم .
لكن الاحرار الذين آلمهم هذا الاخفاق يرون في وثبة مصر اليوم ما يُنعش نفوسهم ، وفي نجاحها حيث اخفق غيرها ما يبعث فيهم الآمال . لأنهم يتلمّسون في هذه الوثبة فاتحة عهد إصلاحي يشمل جميع بلاد العرب ، ودليلاً على الوعي الشامل الذي يدرك خطر النمو في ناحية دون غيرها .
خطوة نرجو ان تقتفيها جميع الاقطار العربية ، اذا وُفقت مصر الى تعديل قانون الاحوال الشخصية ، بحيث يُصبح قانوناً عصرياً يستلهم روح الحضارة الحديثة وحاجات المجتمع المتطور ، ليصح تطبيقه على مختلف العناصر والطوائف ، ويجوز رضى الفئات التقدمية .
بهذا تبرهن مصر على انها قائدة الفكر في هذا الجزء من العالم ، وتُعَدُّ سيرها في موكب الامم الواعية .