عدت بقلب واجف انتظر رؤيتها بعد سنوات اربع قضيتها في الخارج .. عدت بعيون قلقة تريد ان ترى بالحقيقة ما كانت تراه في الاحلام .. تركتها طفلة اكثر منها شابة ، كانت كبرعم يكسوه الندى جميل كالصباح ، احلم به يقظة ومناماً ، أتحسسه بصمت وخشوع ، اخيله ينمو ويتفتح عن جمال باهر اخاذ ...
زرت اباها في اليوم الثاني من وصولي في مكتبه ، فاستقبلني استقبالا حاراً ، سائلاً مجيباً ، ضاحكاً مرحباً ، وكدت افقد هدوئي وانا اتلقف كلماته منتظراً العبارة الوحيدة التي اردت سماعها حين قال باسماً :
« اظن ان صديقتك الصغيرة « نانا » ستسر بك كثيراً رغم شموخ انفها هذه الايام » ..
فضحكت وقلت بهدوء مصطنع :
« لم اعهدها متكبرة ولن اصدق انها كذلك » !
فقهقه عالياً ثم هتف وهو يهزني من كتفي مداعباً :
« يا لك من سعيد محظوظ ! سنحتفي الليلة بعيد مولدها السابع عشر وسيكون قدومك اكبر مفاجأة لها ! الساعة الثامنة مساء فلا تنس » ..
ووقفت في المساء عند الباب الحديدي ، التقط انفاسي السريعة المتلاحقة وانا ارقب البيت المشتعل بالانوار ويدي في جيبي تعبث بالسوار الذهبي المرصع باللؤلؤ ، هديتي لها بعد اربع سنوات .. مشيت على الحصى الناعم صوب النور والموسيقى ووجدت نفسي عند دخولي اقف بين ابويها اسلم على امها مأخوذاً بصدق ترحابها مسحوراً بنواعم كلامها ، بعدئذ تركوني اسير وحيداً بين حشد من المدعوات والمدعوين باحثاً عن وجهها بين
الوجوه .. لم اجدها وغرني الحجل وانا ارى العيون تحدق في بغرابة وفضول ، فاتخذت زاوية قرب فرقة الموسيقيين ورحت انفحص الوجوه من جديد ..
صدحت الموسيقى وانسابت الاجسام من امامي كموج البحر الى حلبة الرقص ، فرأيتها ... كانت هي ، نانا ، تلبس ثوبا بلون الفل وعلى صدرها وردة بلون الدم ، وشعرها الاسود الجميل يرقص على ظهرها العاري متموجاً متعرجاً .. كانت شفتاها تحاكيان لون الوردة حمرة وابداعاً .. وعيونها كالليل اذ يغمر الارض فيخفي ما عليها .. « نانا » هتفت هامساً لها ولنفسي وانا اسير متمهلاً الى الحلبة .. شققت طريقي بين الراقصين ووصلت اليها مبهور النفس قاطعاً على رفيقها الطريق .. مددت اليها يدي صامتاً منتظراً ، فارتخت ذراعاها وتوقفت عن الرقص ناظرة الي بمزيج من الحيرة والاستياء .. فقلت باسماً :
« راجي » فومضت عيناها لحظة ثم ابتسمت بدلال رافعة الي ذراعيها ، فاحطت خصرها الصغير بيدي المرتجفة فقالت ضاحكة :
« متى عدت ؟ وما هذه المفاجأة السارة ؟!! قل ، كيف تراني ؟ » فقلت : « اراك وردة تفتحت عن ذلك البرعم الجميل » ! ..
فقهقهت عالياً ملقية برأسها الى الخلف ، عندئذ اخذت عيني فضاحة ثوبها الكاشف عن عنقها وقسم من صدرها وشعرت بالغيرة تنهش قلبي اذ تصورت العيون النهمة تأكل جمالها بلا حياء اوحساب ! وكأنما احست هي بما شعرت فقالت بشموخ وبرود :
« الا تحب ثوبي هذا ؟ ان بابا اختاره لي بنفسه » ..
فدار رأسي وانا اتخيل اباها ينظر اليها معجباً غير شاعر بقلة ما يغطي ذلك الثوب الذي اختاره ، فقلت محاولا اخفاء حزني الحائر :