شهدت دمعة ، نصع في حرقتها جوى النبل والتضحية ، في عين نجلاء سبحت في زرقتها الانكليزية ، تموجات العاطفة المنطلقة ، وتنطقت اهدابها باشفار سوداء اختلج ضمنها بئر عميق من الشعور المتمعن في عجائب الصدفة وغرائب النصيب !
شهدتها في عين العروس الغربية التي تصحب اخي عريساً ، جائلة في مقلتها العذبة ، مصوغة بالحنين الى بلادها ، فتفجرت محبة الوطن شعلة في روحي ، وخلت ان لي ثغراً يقبل الف بلد ويلثم الف ارض !
عروس العرائس بشوب شبابها ، بكت حنيناً ، فابكت وحشتي وتلمست مواضع بلادي متعثرة واجفة ، وامسكت الحجارة الصغيرة اعانقها ، وابتسمت مأخوذة لاطفال حينا ، ووضعت الحبوب في وجه اطيارنا ، ثم التصقت بصدر ارضي انتم : انا السعيدة ذات الوطن !
واستدرت امسح كآبتها عن جبينها الصقيل واقول :
انت ابنة الوطن الذي نثر « الحب » فيه اريجاً !
انت اخت الاحلام والاسحار وحفيدة القمر والنجوم ، ووطنك العظيم خالد لا يعرف الفناء ، لان بنيان ارضه من الرقة والمودة ، وغياضه الهائلة من نبتة
الاشواق ولواعج الفتون !
لست بالغريبة ، ما دام في قلبك ينطق الخالدان : هاتف الامومة ، وهاجس الحنان .
فذوبي كالخالدات في قالب ما تحبين ، واجعلي ذاتك كالمياه الرهوة الصالحة لكل ارض والناشدة بين الانعاش والصفاء في تخللها كل مكان !
وطن ارضك يذوب تصاغراً ازاء الاستئثار والسيطرة ، ووطن قلبك يتناهى اجلالا حيال ما تبذلينه من صدق وامانة !
ولئن دوى في مخيلتك صوت الحضارة النامية في بلادك فالحت في هديك صور المتاحف والفنون ومعالم المدينة والعمران .. فاذكري كم هي نهب هذه المآثر للزوال ! وكم هي دمار في يد البغض والتناحر ، ولكم اوقدت من حروب واثارت من حسد وابادت من ارواح وازهقت من نفوس ! وكم هي تافهة امام ما تملكينه انت من تاج الحب المرصع بالزبرجد والياقوت !
انت ابنة الوطن الذي تأمن جانبه الاوطان ، وفتاة بلاد المحبة التي تتقلص فيها الحدود وتفنى عندها الحواجز ، وتتدحرج امامها مذلة القيود والسدود !
انت مواطنة الحب الرائع !
ويوم تلعلع الكراهية بنوداً تمشي في الصدور ، وتفتش عن العروش
لتدكها ، وتدمدم عناصر السوء صارخة في جوف الثرى مالئة وجه البحار ، مؤلمة مبيدة موجعة !
عندئذ ، تمرحين انت في سعة السلام ، وتمرين بيدك البيضاء على مكمن الانسانية منك ، على القلب الذي تحتشد فيه قوى الحب ، فتترعينه باهازيج الفتون ، وتقصين عليه قصص الدمعات التي تحجرت يوماً في اقاصيه ! وتباركين ثراه العميم المنزه عن العدوان والتنكر ، وتأمنين فيه جانب الخصب والفيض والعلا لانه مترفع عن الصغائر والكره والشرور !
الاوطان الكبيرة مرمية بالزهو والتيه ، والاوطان الصغيرة مصروعة بالسيطرة والغلبة ، وكلاهما يهدده الفناء ، وترهقه حمم القومية ، وتقفر فيه الوطنية جائعة عنيدة ، لا ترويها سوى الدماء والاشلاء ! ولكن وطنك يا عروس القلوب ، ينمو بالتجاذب اللهيف ويضع في ثغر الحياة ورود الارتقاء ، وينحت من الجود الحلي عاطفة وترفاً !
الاوطان تشب وتكتهل ثم تندثر