«الله يخليك.. الله يوفقك»، عبارة لا تزال حتى الان ترن في اذنيها، وتلاحقها، فيرتسم امامها الوجه الشاحب الذليل، واليدان الصغيرتان، المرفوعتان اليها، وتعود الى ذاكرتها قامة الصغير، الذي لحقها في الشارع صباح امس، والثوب المهلهل الذي يكسو جسده ثم القدمان الصغيران وقد تشققا من الحفاء..
ونظرت اليه، تسأله كلمة، فلم يجبها، بل تابع بطريقة آلية عبارته التقليدية، ورنة صوته الرتيب؛ ان احداً لا يكلمه، فلماذا يهتم بالجواب؟.. بل لماذا يتعلم غير هذه العبارة «القيّمة» التي يطلقها في اذن كل عابر سبيل؟
ووقفت تسأله باهتمام ابن والدته، فاجاب بانها تقبع هناك في الزاوية الاخرى من الشارع، تستعطي ايضاً.. ومدت يدها الى حقيبتها تخرج قطعة نقود، ثم نظرت الى العينين البريئتين؛ طفل لما يتجاوز الرابعة، وصوت اجش، وقطعة نقود متحجرة، وقلبها يتفطر شفقة وينضح الماً، ما تراها تفعل؟ انلقي بالسم، سم الاتكالية في فمه؟ ولكن غيرها قد يفعل ذلك دون مبالاة وباسم الرحمة والاحسان؛ ما حيلتها وحدها لدى امر كهذا؟
وتشجعت، فاعادت قطعة النقود الى حقيبتها دون ان ينتبه الصغير الى ذلك، ثم تابعت طريقها...


