تمد الي يديك ونور عينيك اسطع من نور الفجر ... انتظرت عودتك في اليوم التالي فلم تأت . سألت ابي عنك فلم يعرف شيئاً عن اقامتك ، لم يكن امامي سوى الانتظار فانتظرت ولكنك لم تعد .. فاطبقت جفوني ولعنت نفسي على خوري وبكائي وعدت الى سابقي ، اضحك من ضعفي وتشبثي بجبل نجاتك المهلهل ، كارهة ذكرى وجهك الذابل وانت ترقبني اشرب الخمر من بعيد ! لاعنة صوتك الحزين المتوسل وانت تطلب التحدث الي ! هازئة بنظراتك الغاضبة الغبرى الى ثوبي وشفاهي واصدقائي وقلت لنفسي اصارع النحيب :
« مالي اخدع نفسي باهتمامه ! انه كأبي ، كأمي ، كأصدقائي ، ككل الناس لا يهمه امري ! لقد كفاه ما رأى وسينزع اسمي من قلبه بكل سرعة وهدوء اعصاب ! لن يعود ليراني واذا عاد ، فسيعود هازئاً محتقراً تملأه السخرية من جنون دنيانا ... »
اشتدت يدي فوق يدها ولم استطع كلاماً ..
« انك لن تفهم ما حل بي ، لقد ضعت وتخبطت ولم يأخذ بيدي احد .. سمح لي بكل ممنوع ومباح ، اعطيت كل شيء تحت اسم الحرية الحديثة ، كيف لا وحياتنا حياة حرية مطلقة ، حياة اناقة ورقص واضواء ، حياة ضجيج وخمر ومرح ! حياة عجيبة والله ! ملأى فارغة ، انيقة مهلهلة ، منيرة مظلمة !
فارغة من كل عطف صحيح وحب متين وتعاون حق .. اننا نضحك كثيراً ونصمت كثيراً ، نصمت وكل واحد منا من الاخر كنزيل فندق من نزيل آخر .. اني اكره مظهري ولست كما اظهر ، اني تعبة يا راجي وحبذا لو استريح » ..
لم استطع احاطتها بساعدي ساعتئذ او المرور بيدي على وجهها ، ماسحاً عنه تلك الدوائر السوداء تحت عينيها وصرخة الاستنجاد على شفتيها فقلت على مهل والتأثر يقطع كلماتي :
« بيت صغير تظله اشجار ورد عابقة ، تخطر فيه غادة كالآلهة جمالا ، تربط شعرها بشريط احمر وتلف حول معصمها سواراً اصفر ، بيت صغير فيه حب وامن وحنين ، لا ظلمة فيه ولا فراغ .. فماذا
تقول نانا ؟
انتظرت تاركا اباها تفهم ما قلت على مهل وروحي تتوسل اليها ان تفهم جيداً وتماماً ...
« بيت لي ولك ؟ انا وانت ؟ »
فقلت : « نعم لك ، لنانا ، لنادية »
فاحنت رأسها تخفي عني ارتجاف شفتيها وابتلال عينيها ، ثم رفعته قائلة في خجل وهي تمد لي يدها الثانية :
« تعال لنخبر بابا وماما ، الان ، حالا ... »
فقلت لاذنها وانا اسير بجانبها الى خارج المقهى وضوء الشمس :
« وسنطلب من بابا اختيار ثوب العرس ومن ماما الهتاف باعلى صوت على الملا : هذه ابنتنا وعريسها ، نانا وراجي ... »