ان ثمة اتجاهاً قوياً لتحرر الشعر العربي من الوزن والقافية . حسب هذا التحرر من مبرّر انه صورة صادقة لروح العصر وتنكر ابنائه لكل قيد يحد من انطلاق القوى الانانية في الانسان لخلق ما هو افضل .
اول شروط الاجادة الإبداع وخلق الجديد الطريف معنى ومبنى ، والموسيقى ... وما احرى شاعرنا لمس الايحاءات لمساً رفيقاً ، في منتهى بساطة وفن ، ورسم اللوحات الشعرية في منتهى براعة ، حتى يشم القارىء فوح الزهر ، وتخزه الشوكة ويشنّف سمعه لغناء بلبل ..
هل يتحرر
الشعر العربي
من قيود الوزن! والقافية!...
ارشك جريني شبيب
لا يعدم المجتمع في الحين والحين (١) مشكلة تسترعي اهتمام الاوساط الادبية او الفنية او الاجتماعية ، فيقلّبونها ، على نحو ما تقلب المشاكل ، درساً وتحليلاً ، وتبادل وجهات نظر . وثمة مشكلة ادبية احيطت في الآونة الاخيرة بعلامة استفهام احتدم حولها الجدل ، وكانت مدار بحث الندوات الادبية في لبنان .. والمشكلة هي :
« هل يتحرر الشعر العربي من قيود الوزن والقافية ؟ » فما هي اوجه النظر الرئيسية في الموضوع وما موقفنا منها ؟
★
قال بعضهم : ان العرب بطبيعتهم ، قوم محافظون ، يستهويهم القديم ويهزهم شدو الوزن وشجوه وينقلهم الى اجواء الطرب والنشوة ، التي لا تتيسر في الكلام المنثور ، مهما عذب جرسه واتسع خياله وتألقت صوره ...
ومن هنا كان تعريفهم للشعر ان يشترط فيه الوزن والقافية ، ومن الصعوبة تنازلهم عن هذا الرأي واقناعهم بخلافه ، ذلك انه جزء من تقليدهم اصيل ، يتشبثون باهابه ، ويتعصبون له بايمان عنيد ، ولا يتسامحون بتقويض اركانه ..
وعارض آخرون قائلين : بل ان في الشعر الكلاسيكي المقفى جواً مصطنعاً قلما تتوافر له مقومات الشعر بمدلوله الحديث المتعارف عليه ، من كلام جزل وشعور رهيف وموسيقى ... كأن ينصرف الشاعر بوعيه - كل وعيه - الى ضبط المقاييس ويبذل الجهد المضني كي تستقيم له شروط الخليل كلها - وفي هذا عزوف عن روح الشعر الى هيكله ، فيتحكم اللفظ بالمعنى وتتنافر في القصيدة لحمتها ويحمل الشاعر مكرهاً على
استعمال اللفظة المقعرة والناشزة والعويصة ، مما يبرأ منه الشعر وما ذلك الا استجابة لحكم القافية الصارم ... وهكذا قلما تأتي القصيدة الا من باب النظم العقيم الذي اتخمت منه بطون الدواوين القديمة والحديثة دونما طائل ...
ومن مطمئن على ان هذه الفورة من الشعر المنثور ليست الا مؤقتة ، تفشت بالعدوى ، كما تتفشى الحمى ، ولعلها من مظاهر العجز الفني وحسب ، وهي لا تلبث ان تتضاءل وتزول بزوال هذا العصر .
هذه اهم الاراء في الموضوع الذي نحن بصدده ، وهنالك آراء اخرى غيرها تؤثر الاعتدال وعدم اقتحام المعركة ... نتوقف عندها لننتقل الى شق ثان من البحث .
★
سجل شعراؤنا منذ مستهل القرن خروجاً ملموساً عن الوزن القياسي . منهم من فعل ذلك بتحفظ مبقياً ضمناً على السجع كالريحاني ومنهم من كتب الشعر المنثور في مطلق تحرر كجبران وسواه . وعُد شعر هؤلاء ثورة في الادب انفتحت لها عيون القراء : بعضهم هاجم الرائدين بعنف واتهمهم بالكفر والاستهتار الادبي ، والبعض الاخر رأى في هذا اللون الجديد من الشعر بدعة طريفة تستحق وقفة تأمل ... ونمت هذه الفئة ، مع السنين ، حتى بات لها الان عشرات الشعراء في دنيا العرب ، لكل منهم طريقته الفنية الخاصة ومقياسه الشاعري الخاص ...
فما هو شأن هذا الشعر وما قيمته الادبية ؟
في الواقع ان فريقاً كبيراً من كتاب هذا العصر بدأوا يفكرون بضرورة انطلاق الشعر من قيود الوزن والقافية ليتمكن الشاعر من الانصراف بكل طاقاته العقلية والشاعرية
١٣