●من أصقاع العمران●
أية غاية نبيلة حملت اديبتنا الناشئة الى انكلترا؟ نرجح انها هناك للاستزادة من العلم ولاستكشاف آفاق المعرفة التي لا تحد.
من لندن تكتب لنا هبة الوادي عن بعض خواطرها ومشاهداتها، في ذياك الاسلوب البالغ الاناقة! تحياتنا القلبية لها...
هي ذي الابراج الداكنة ترهف استعدادي للكآبة والشجن!
هي ذي لندن!
ربيبة الحضارة النامية بمجالدة الصبر والسكينة! تتطاول فيها الكنائس والكاتدرائيات، وتحتشد في صدرها معاهد العلوم والفنون، وتتدافع المسارح والمتاحف واماكن الجذل والرفاه في مراميها العتيدة!
ما تجمهرت أمام ناظري، إلا خلتني حيال لوحة ماجخة بصنوف الحركة والدبيب، ملتحفة نقاب العمل المثمر، ضاحكة لاهية، جادة صارمة، تستحثها الجهود المثابرة والعزائم الحادة القوية!
وما لمحت اكوام الغيوم السادرة في اثيرها، حتى تلازب في الشوق وجمعاً الى اقراص الشمس السخية المتناثرة فوق شطوط لبنان وسهول الشام وحوافي دجلة والنيل والاردن!
ولكن لندن هذه، كالشخص ذي اللجاجة الرائعة، لم يرد شيئاً الا انتزعه بسحر الغرابة الملازمة للأشياء الفريدة!
هي ذي المدينة الساحقة تحاول اجتذابي، أنا الذرة المتلاشية في جبار حجمها وشاسع مسافتها ومتلاطم سكانها!
ما مشيت في هياكلها خطوة، إلا هيمنت العهود السحرية تخاطب مني محبة القرون، فيتبدى وميض القدم نافذاً في النفس، بعيد القرار، مردن الأطراف، تحدوه الأحلام والصور التي رسمت وجوده بعد قرن واحد من ميلاد المسيح!
ويتفتن روحي تذكر القديسين والمحاربين والشارعين واللصوص والقتلى! وتتوثب الحادثات القديمات إزاء عيني، وتتولد حرة طليقة بكل ما اعتورها من مذلة وفخار وغلبة واندحار!
ما ذكرت ما انتابها من مض الفواجع، حتى هاني منها الثبات العام الناسج حولها أردية الاستقرار بخيوط اللين والحكمة، وما بانت رياحها العاصفة، وبروقها الملعلعة وسيولها الدفاقة إلا وعت عاقلتي كيف يطفي الجو الحسي على سبل
حياتها، فيهذبها ويقومها ويعلمها ان المحنة والجهامة لا بد يمحوها الصفاء والنقاء، فاذا ما عاودتها الكرة، لم تيأس ولم تندم لأنها لا تتهلل بشراً، ولا تذوب وعدا واملا!
من تفطرها الحاذق للجمال، ينمو الذوق ويرقى، وتعتريه نفضة من كل الشعور، لماذا ينبه فن التمثيل على مسارحها عميق غبطتي؟
لماذا تثير دور الأوبرا ومعارض النحت والتصوير في قلبي العتي دموعاً؟ ولماذا أتأوه متوجعة أمام عظمة متاحفها؟
أتأكيد هذه الدمعات بتفاهة الفرد وضآلة شأنه؟ أو هي إشفاق على نفسي المستطارة بالبهاء؟ أم أنه الألم في ان يكون حظ بلادي من المساهمة برفقة الابداع ضئيلاً نحيلاً!
يا لهذي المراصد المتحكمة في انحاء سمائها، مرتدية جلباب قاريء الطالع، متقمصة شخصه في كشف الغيوب، حاملة جبهته الحكيمة وعيونه النفاذة الحالمة!
إنها لتقرأ رموز السيارات والكواكب وألغاز المذنبات والسدم قبطوق الاستجلاء والتبصر منها كل غيب ومحال، وتحدد معرفتها مناجاة السماء وحوار النجوم بلغة الاعداد ولهجة الأرقام والمجاهر!
يا للمصحات والمشافي الدائبة في إرجاع التوازن الى الكيان المتأرجح بين البقاء والاندثار! يا للأنامل الشفيقة التي تحمل المباضع لتحتجن آلام القلوب المظلمة! ويا للصمت الأليف المخيم فوق أجباه العليمة!
منذ صافحت سمعي العبارات المهذبة، ورأيت إشعاع البسمات اللدنة الطرية، ودعت كل عنصرية وتفرقة، وشعرت ان الأمم لا تنكب إلا لتنهض، والشعوب لا تتخاذل الا لتستعد لبعيد الاشواط، وما تحميه المدنية من ذمار الرخاء، هو جائل سيال فوق الكرة الارضية بين خطوط طولها وعرضها تتجاذبه النباهة والألمعية والدأب ومتين الخلق، فكما انطلق قديماً يعدو الى اثينا وسارع متجهاً نحو روما، وتراكض بين بغداد والأندلس، فمكث فيها قرونا يتنفس معرفة وحذقا، كذلك هو اليوم في لندن، فكيف لا استطير بها، هذه المدنية المتغذية بثمار ابن رشد وعباس بن فرناس؟!
الأشبار والأميال تنضح نصاعة في مكتظ الاماكن وكثيفها، وكأن شعور المسؤولية بشخص في كل صدر، وتطل الصرامة المتغلبة على الانفعال والخيال، بأي تصنيف يرقب دهشتي هذا الرقي فيها؟! منذا الذي بث العرفان بين ملايينها، واذاب ملامح الفقر والأسى فأوسع الكمية الرهيبة جذلا وحبوراً؟!
