ضرب القضاء ضربته ، وحلّت ، بطرابلس الفيحاء ، نكبة الفيضان المفجعة ، والناس في غمرة تأهبهم للعيدين - الميلاد ورأس السنة - فانخطفت ، لتوّها ، البهجة من القلوب وحلّت مكانها الغصص والحسرات ، وألغيت حفلات الافراح ، وتحوّلت الهمم بنشاط نحو الانقاذ ومساعدة المنكوبين ، ووجهت النفوس التياعاً على الضحايا الابرياء .
والامم كل حين عرضة لنكبات جماعية مروّعة ، يحار عقل الانسان المحدود عن تأويل اسبابها : حيناً يردّها - عجزاً - الى غضب الله ، وآناً الى غضب الطبيعة . ويا قهر الانسان وذلّه امام الاثنين !
وليس كالنكبات محكّ للانسان : يعرى امام نفسه ، ويتكشف له ما طغى عليها من بطر وجحود فيتعظ ويرتدّ في قشعريرة الخوف ، ويستيقظ فيه الضمير مهيباً به الى أعمال النخوة والمروءات .
والنكبات اختبار مؤلم تجتازه الامة مكرهة ، تترك العضو المصاب منتّف الاوصال ، صريع حرمان واسى ... وفي فائق لهفة ومحبة تلتف الاعضاء السليمة حوله ، للمواساة والعون . وفي هذا تجدّد ألفة ومحبة ، وفيه عزاء كبير !
نكبة طرابلس العزيزة هدّت حول لبنان ومن بعده الاقطار العربية ، فهبّ الجميع ، شعلة حمية وحماس ، يضمدون الجراح ويبذلون العطاء الخيّر السمح . وتعلّم النشء الطالع درساً بليغاً في التضحية الوطنية التي لا تعلو عليها تضحية .
في سجلّ الاحداث ، ان شعبنا ابان الكوارث كلّ موحّد لا يتجزأ ، ولطالما تساءلت : لماذا لا نبقى دائماً كلاً لا يتجزأ ؟؟
أكان مقدّراً ما حلّ بطرابلس ، والمقدّر لا يُرَدّ ، فنجابه الواقع بارشاد العقل الراعي ونشحذ القوى لبناء ما تهدّم ؟ - وفي هذا ابدت الهيئات - حكومية وشعبية - من الغيرة ومن نبل العاطفة ما تُحمَد عليه ، واعطت الدليل الناصع على ان صدور المواطنين ما تزال عامرة بالانسانية والمحبة ونكران الذات .
نكبة طرابلس الخضيبة بالدم والدمار ، قلبت مواسم اعيادنا مأتماً كبيراً ، وانى للانسان ، بغير الايمان والعزيمة ، ان يصمد امام فداحة الخطب !
