تساقط المطر عنيفاً يضرب زجاج النافذة بغير رحمة أو شفقة ...
فأدار رأسه الى حيث تجلس وهتف :
- « قولي بربك ، ماذا قال الطبيب »
فأطبقت يدها على يده وقالت بهدوء جبّار :
- « لماذا تصرّ على ان تعرف ؟ ألا تثق بنا » ؟
- « اني خائف والخائف لا يثق بأحد . قولي . اريد الحقيقة .. »
- « قال اذا اشتدّ الخطر فسيضطر الى قطعها » ...
- « كلا كلا ... انه مجنون ... انه مجنون ... »
فأحنت رأسها وأشاح هو بوجهه وبقي المطر يضرب الزجاج بعنف وقسوة ...
- « لن أدعه يقطعها ، كلا وربي لن أدعه » ...
فبكت مخفية وجهها بين يديها دموعاً مرة مخيفة ...
فتركها تبكي غير شاعر بانها تبكي ، وراح يضرب بيده اليسرى حافة الفراش ثائراً محموماً ..
- « لماذا تؤلم نفسك هكذا ؟ من الجائز ان لا يشتدّ الخطر » ...
فنظر اليها ببطء وكأنه يراها لاول مرة ، امرأة باكية تحمل عيونها عطف الارض وزرقة السماء ...
- « اني جبان مذعور . إنسي ذعري ولا تبكي .. فربما خفّ الالم كما تقولين » ..
فابتسمت وحاول ان يبتسم فعجز ..
وخفّ المطر لحظة ثم عاد الى قسوته وعانقت عتمة الغروب سواد الليل ...
- « حياة ، نامي ، لقد اهلكتك اليوم بصراخي » ..
فمرّت بيدها على جبينه ثم ألقت برأسها على صدره وقالت :
- « انك لم تهلكني . انت المكدود .
اهلكك الالم ...
فقبّل شعرها واطبق عينيه ...
وتوقف المطر محدثاً سكوناً بارداً تقطّعه أنّـات ريح غاضب مفتوح الجناح ...
- « حياة » ...
- « نعم ياحبيبي ، انا هنا استمع » ...
- « كانوا ينعتوني بالبله والشذوذ ، كلهم ، ابي امي اخوتي ... غير حاسبين
لارتعاد قلبي حساباً .. كنت اخاف الجلوس معهم والتحدث اليهم ... اخاف نكاتهم واحاديثهم وحب بعضهم لبعض . أتزعجك كلماتي ؟
- « ابداً . تمنيت كثيراً ان تتحدث اليّ هكذا » ...
- « كنت احب أمي كثيراً . كان وجهها اول شيء جميل رسمته يدي . خبأت الرسم في صدري واريتها اياه


